آثار الأوائل من العمارات الهائلة والهندسة المنيفة ، ورأى الموضع الذي في الصعيد العالي في النيل ، وتحقّق أنّ الذي تصوّره كان فاسدا لا يمكنه خروجه إلى الفعل ، وإنّه ليس أقدر على ذلك من الأوائل ولو كان ممكنا لفعلوه ، فخجل من ذلك واعتذر إلى الحاكم في ذلك ، فعذره وولّاه بعض الدواوين ، ثم تحقق كون الحاكم سفاكا للدماء بأضعف الأسباب ، وخاف منه وأظهر الجنون فقيّده في داره ، وأدخل ماله تحت الحجر فلم يزل كذلك حتى مات الحاكم ، فأظهر العقل والتعفّف وانعزل قريبا من الجامع إلى أن توفّي .
وقد قصده من أمراء سمنان أمير يقال له سرخاب « 1 » متعلما فقال له : أريد منك كلّ شهر مائة دينار أجرة ، فبذل له ذلك ، وأقام عنده ثلاث سنين ، فلمّا عزم الأمير على الانصراف قال له أبو علي : خذ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها ، وأنت أحوج إليها مني عند عودك إلى مقر ملكك ، وإنّي قد جرّبتك بهذه الأجرة ، فلما علمت أنّه لا خطر ولا موقع للمال عندك في طلب العلم ، بذلت مجهودي في تعليمي وإرشادي ، واعلم أنّه لا أجرة ولا رشوة ولا هديّة في إقامة الخير ، ثم ودّعه وانصرف ، وكان أبو علي متعبدا ورعا زاهدا معظما لأوامر الشريعة .
وقال : في بعض رسائله : تخيّلنا أوضاعا ملائمة للحركات السماوية ، ولو تخيّلنا أوضاعا أخرى ملائمة أيضا لتلك الحركات لما كان منعه مانع لأنّه لم يقم البرهان على أنّه لا يمكن سوى تلك الأوضاع آخر مناسبة لهذه الحركات ، وطوّل الكلام وهي آخر تصانيفه .
وعرض له إسهال دموي ، وكان كلما تناول شيئا من القابضات ، قاء ، فيئس من نفسه ، ثم قال : ضاعت الهندسة وبطلت المعالجة وعلم الطب ، ولم يبق إلّا تسليم النفس إلى خالقها وبارئها . ثم توجّه إلى القبلة بعد ما قاسى الإسهال أسبوعا .
هامش
( 1 ) ب : سرحان .