61 - بطليموس الثاني أبو علي بن هيثم « 1 »
كان عالما بالرياضيات والمعقولات وتصانيفه أكثر من أن تحصى ، وله في الأخلاق رسالة لطيفة ما سبقه لها أحد ، وصنّف كتابا بيّن فيه الحيلة في أجزاء نيل مصر عند نقصانه في المزارع ، وحمل الكتاب وقصد قاهرة مصر ، ونزل في خان فلمّا ألقى عصاه قيل له : إنّ صاحب مصر الملقّب بالحاكم على الباب يطلبك ، فخرج ومعه كتابه . وكان أبو علي قصير القامة ، وكان على باب الخان دكان فصعد أبو علي على الدكان ، ودفع الكتاب إلى الخليفة ، وصاحب مصر راكب حمارا مصريا مع آلات مفضّضة فلما نظر صاحب مصر في الكتاب ، قال له : أخطأت ، فإنّ مؤنة هذه الحيلة أكثر من منافع الزّرع ، فأمر بهدم الدكان ومضى ، فخاف أبو علي على نفسه وهرب حين جنّ الليل .
وأقام بالشام عند أمير من أمراء الشام ، فأدرّ عليه ذلك الأمير ، وأجرى عليه أموالا كثيرة ، فقال أبو علي : يكفيني قوت يوم بيوم ، ويكفيني جارية وخادم ، فما زاد على قوت يومي إن أمسكته كنت خازنك ، وإن أبعته « 2 » وكنت وكيلك ، فإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي ، فما قبل بعد ذلك إلّا قوت يوم ولباسا متوسطا . وقيل : إنّ الحاكم كان له ميل إلى الحكمة فسمع بفضيلة أبي علي ، وكان يسكن الشام ، وكان يشتاق إليه ، وبلغه أيضا أنه قال : لو كنت مصر « 3 » لعملت في النيل عملا ينتفع به إذا نقص فاشتدّ اشتياقه إليه .
وأنفد له سرّا شيئا من البرّ ، وسأله المصير إليه فسار ، ولما قرب من القاهرة خرج الحاكم إلى لقائه وأكرمه وأنزله وبرّه ثم طلب منه ما كان يقوله في معنى النيل ، فخرج ومعه جماعة من المعاونين ، يدور ديار مصر حول النيل ، فرأى
هامش
( 1 ) البيهقي ، ص : 85 ، القفطي ، ص : 165 ، أصيبعة ، ص : 55 .
( 2 ) ب : أنفقته .
( 3 ) ب : بمصر .