تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
البربط قد حضر أبو نصر الفارابي واستهزأتم به فنوّمكم وغاب ثم خرج أبو نصر من الزّيّ متنكّرا متوجها تلقاء بغداد ، فلما أفاق الصاحب وندماؤه تعجّبوا من حذقه في صناعة الموسيقى وتأسّفوا على فوات منادمته ، ثم قال الصاحب : أديروا الكؤوس على اسمه لعلّ الزمان يردّه علينا ، فلما حمل المطرب العود قال : أيّها الصاحب قد كتب ذلك الرجل شيئا على مزهري ، فلمّا نظر إليه الصاحب وعرف أنّه أبو نصر شقّ جيبه واستغاث وجهّز أعوانه في طلبه . وكان كالقارظ العنزي فلم يجد له أثرا ولا استمع له خبرا ، وبقي بقيّة عمره متأسّفا على فوات منادمته والغفلة عن معرفته وأين من المشتاق عنقاء مغرب . وقيل إنّ أبا نصر كان يرتحل من دمشق إلى عسقلان فاستقبله اللصوص فقال لهم : أنا أبو نصر خذوا ما معي من الدواب والأسلحة والثياب وخلوا سبيلي : فأبوا ذلك وهموا بقتله ، فلمّا صار مضطرا ترجّل وحارب حتى قتل مع من معه . ووقعت لهذه المصيبة في أفئدة أمراء الشام مواقع ، وتطلّبوا اللصوص ودفنوا أبا نصر وصلبوهم على قبره . قال أبو نصر الفارابي : ينبغي لمن أراد الشروع في الحكمة أن يكون شابا صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار ، قد تعلّم القرآن واللغة وعلوم الشرع أوّلا ، ويكون عفيفا صدوقا معرضا عن الفسوق والفجور والغدر والخيانة والمكر والحيلة ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه مقبلا على أداء الوظائف الشرعيّة غير مخلّ بركن من أركان الشريعة ولا بأدب من آدابها معظّما للعلم والعلماء ولا « 1 » يكون لشيء عنده فهو حكيم زور ولا يعدّ من الحكماء . وقال : من لا يهذّب علمه أخلاقه في الدنيا لا يسعد نفسه في الآخرة .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : قدرا لا للعلم وأهله ولا يتخذ عمله لأجل الحرفة ومن كان بخلاف ذلك