وجهها إلّا في المرآة وهي قاعدة مع الملك فأبصرت وجهها بصرا شافيا وقد كان بقي على وجهها نقط بيض مختلطة بالسّواد ، والجارية حبشيّة ، فقلت للترجمان : قد أبصرت علّتها وأنا أعالجها حتى يزول ذلك عنها .
فسرّ الملك بذلك ، ومال إليّ وأمر لي كلّ يوم برغيف من مائدته أتقوّت به ، فاتّخذت طلاء لصبغ البياض من البهق ، فطليت وجهها فزال البياض وعاد إلى السواد كما كان ، وازداد الملك لي حبّا ، ومال إليّ كثيرا ، وأمرني بحضور مائدته ، فكنت أحضر وأرى عليها كلّ ضار مسقم يضادّ البدن ، وقد نشئوا على ذلك ، وكنت أجتنب أكل ما يكون على مائدته ، فقال لي ما لك لا تأكل ؟ فأقول : هذا يحدث علّة كذا ، وهذا الآخر كذا ، وكنت في خلال ذلك أعرّف الملك ضرر ما يتناوله ، فيصعب عليه ذلك ، ويقول لندمائه : إنّي قطعت هذا الرجل عن وطنه ، وقد ساءه ذلك ، وهو يكايدني ليمنعني عن شهواتي ، فلاكلنّ جميع ما أشتهي رغما له .
فورد بعض ندمائه على جالينوس على سبيل النّصح ، قال جالينوس :
فاستشعرت الخوف منه وكنت أحتمل الذّلّ وأقاسي الجهد ، ويقيم مع الرّغيف الذي كان يحمل إليّ ، وكان الملك مشغوفا بالصّيد ، يغيب الشهر والشهرين ، فلا يسأل عنّي ، ولا يراني ، ولا أراه ، فحضرت يوما مائدته ، وجعل يأكل شيئا ضارا ، فمنعته عن ذلك ، فقال لي : ما يجلب أكل هذا ؟ فقلت : الجذام ، فمدّ يده عنادا وشرها ، واستوفى منه ، ثم قال لي : على رغمك يا جالينوس آكل هذا « 1 » أيها الملك يجب حقّك عليّ ، ومن وجوب حقك أن أوقفك على علامات تظهر في بدن الإنسان قبل حلول العلّة بسنة أو بسنتين أو ثلاث ، وإنّي مثبت لك دستورا يكون في خزانتك تذكرني به بعد موتي ، فألّفت مقالة في أسباب العلل الواقعة وأوقاتها وابتدائها وانتهائها واستحكامها والأوقات التي تتهيّأ معالجتها فيها ، وتقدمة المعرفة بالعلل السليمة والمهلكة والسريعة
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : فقلت :