وسافر إلى أثينية وروميّة والإسكندرية وغيرها من البلاد في طلب العلم ، وتعلّم من أرمنيس الطّبّ ، وتعلّم من جماعة مهندسين ونحاة وخطباء الهندسة واللّغة والنحو وغير ذلك ، ودرس الطّبّ أيضا على امرأة اسمها فلاويطرا وأخذ عنها أدوية كثيرة ولا سيّما ما تعلّق بعلاجات النساء ، وسافر إلى مصر ، وأقام بها مدّة لينظر عقاقيرها ، ولا سيّما اللاهوت في بلد ، سيوط من أعمال صعيدها .
ثم خرج متوجّها نحو بلاد الشام راجعا إلى بلده ، فمرض في طريقه ، ومات بمدينة تسمّى بالفرماء على البحر الأخضر في آخر أعمال مصر .
وكان جالينوس من صغره متهيّئا للعلم البرهاني ، طالبا له ، شديد الحرص والاجتهاد والقبول للعلم ، وكان بحرصه على العلم يدرس ما علّمه المعلّم في طريقه إذ انصرف من عنده ، حتّى يبلغ إلى منزله ، وكان الفتيان الذين كان معهم في موضع التعليم يلزمونه ويقولون له : يا هذا ينبغي أن تجعل لنفسك موضعا ووقتا من الزمان تضحك معنا فيه وتلعب ، فربّما لم يجبهم لشغله بما يتعلّمه ، وربّما قال لهم : ما الداعي إلى الضحك واللعب ؟ فيقولون : شهوتنا لذلك ، فيقول لهم : والسّبب الداعي إلى ترك ذلك وإيثاري العلم بغضي لما أنتم عليه ، ومحبّتي لما أنا فيه فكان الناس يتعجّبون منه ويقولون : لقد رزق أبوك مع كثرة ماله وسعة جاهه ابنا حريصا على العلم .
وكان أبوه من أهل الهندسة ، وكان مع ذلك قداحا ، وكان جدّه رئيس البحارين ، وكان جدّ أبيه مساحا .
ودخل جالينوس روميّة في المرّة الأولى التي رأى فيها ابتداء ملك أنطونيوس الذي ملك بعد ادريانوس ، وصنّف كتابا في التشريح لبواسوان المظفّر الذي كان واليا على الرّوم عندما أراد أن يخرج من مدينته إلى مدينة يقال لها نطولوماليس ، وسأله أن يزوّده كتابا في التشريح ، وصنّف أيضا في التشريح مقالات وهو مقيم بمدينة سمرتا عندما ليس معلّمه الثاني بعد
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 275
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٧٥