تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
قال : فرضي اللّه سبحانه ذلك من قوله ، فأرسل اللّه تعالى إليه ملكا ، فغطّه بالحكمة غطّا ، فأصبح وهو أحكم أهل الأرض ، وكان يغشى داود لحكمته ، فيقول له داود : هنيئا لك يا لقمان ، أوتيت الحكمة ، ووقيت الفتنة ، وكان الأمر الذي فيه داود عليه السلام قد ألقي إلى لقمان فأبى أن يقبله ، ورأى داود عليه السلام الناس يخوضون ولقمان ساكت ، فقال ألا تقل يا لقمان كما يقول الناس ؟ قال : لا خير في الكلام إلّا بذكر اللّه تعالى ، ولا خير في السكوت إلّا بالفكر في المعاد ، وأن صاحب الدّين إذا فكّر فعليه السكينة ، وشكر فتواضع ، وقنع فاستغنى ، ورضي فلم يهتم ، وخلع الدنيا فنجا من الشّرور ، ورفض الشهوات فصار حرّا ، وتفرّد فكفّه الأحزان ، وطرح الحسد فظهرت له المحبة ، وسمت نفسه عن كلّ فان ، فاستكمل العقل وأبصر العاقبة ، فأمن الندامة ، ولم يخف الناس ، فلم يخفهم ، ولم يذنب إليهم فسلم منهم ، فالناس منه في راحة ، وهو من نفسه في تعب . قال : صدقت يا لقمان ، وأعجب به وشاع ذكره . وقال داود للقمان بعد ما كبرت سنّه : ما بقي من عقلك ؟ قال : لا انظر فيما لا يعنيني ولا أتكلّف ما كفيته ، وكان مولى لقمان الذي أعتقه ، أعطاه مالا كثيرا ، فبارك اللّه تعالى للقمان في ذلك المال ، فكثر ، وبسط لقمان يده في الخير ، تصدّق ، وسلّف من استسلفه ، ولا يأخذ على ذلك رهنا ولا كفيلا ، فإذا دفع المال إلى الرّجل قال : تأخذه بأمانة اللّه تعالى ، وتؤدّيه إلى عام قابل هذا الحين ، فيقول نعم فيدفعه إليه ، فجعل الناس يأخذون منه ويردّون عليه ، فبارك اللّه تعالى له في ماله وثمره . ويروى أنّ لقمان أوتي الحكمة وبسط له في الدنيا ، فقدمها ، واعتزل الناس وشرورهم ، فنزل فيما بين الرّملة وبيت المقدس ، لا يخالط الناس حتى لحق باللّه عزّ وجلّ ، فكان مما وعظ به ابنه باران أن قال له : يا بنيّ ، عليك بالصبر واليقين ومجاهدة النفس ، واعلم أنّ الصبر فيه الشرف والشفقة والزهادة والترقّب ، فإذا صبرت عن محارم اللّه تعالى ، وزهدت في الدنيا ،