لا سبيل إلى مثله وإذا لم يبق العاقل بشيء من أمور الدنيا فيقتصر على ما لا بد منه ويترك ما منه بدّ .
39 - أخبار لقمان الحكيم
المذكور في القرآن العظيم ، كان أسود اللون حبشيا ، جنسه من النّوبة ، وكان منشؤه وتعليمه وتهذيبه ببلاد الشام ، ومات بها ، وقبره بمدينة الرّملة من أعمال فلسطين ، كان ساكنا في أكواخ في هذا الموضع ، وكان من موالي العارية الأولى بالشام ، وكان في زمن داود النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي رواية أخرى كان عبدا أسود غليظ الشفتين مصفّح القدمين ، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدّثهم ، فقال له : ألست الذي كنت ترعى الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال :
نعم ، قال : ما بلغ بك إلى ما أرى ؟ قال : صدق الحديث ، وأداء الأمانة والصمت عما لا يعنيني .
وقال آخر : كان لقمان أسود معضلا غليظ الشفتين ، مصطك الرّكبتين ، فكان لرجل من بني إسرائيل اشتراه بثلاثين دينارا ذهبا ، وكان مولاه يلعب بالنّرد ويخاطر عليها ، وكان على بابه نهر جار ، فلعب يوما على أنّه إن قمره صاحبه شرب الماء الذي في النهر أو يفتدي منه ، وإن قمر صاحبه فعليه مثل ذلك ، فقمر سيّد لقمان ، فقال له القامر : اشرب ما في هذا النهر وإلّا افتد منه ، قال : احتكم ، فقال : عينيك أفقأهما أو جميع ما تملك ، فقال : أمهلني يومي هذا ، قال : ذلك لك ، فأمسى كئيبا حزينا إذ جاء لقمان وقد حمل حزمة حطب على ظهره ، فسلّم على سيّده ، ثم وضع ما معه ، وكان سيّده إذ رآه عبث به ، وسمع منه الكلمة بعد الكلمة من الحكمة ، فتعجّب منه ، فلمّا جلس إليه قال لسيّده : مالي أراك كئيبا حزينا ؟ فأعرض عنه ، فقال له الثانية ، فأعرض عنه ، فقال له الثالثة ، فأعرض عنه ، فقال له : أخبرني ، فلعلّ لك عندي فرجا ، فقصّ عليه القصة ، فقال لقمن : لا تغتمّ ، فإن لك عندي فرجا ، قال : وما هو ؟ قال : إذا قال لك الرجل اشرب ما في هذا النهر ، فقل له :