زمانه ، ثم إنّ أباه اعتلّ علّة خاف منها على نفسه .
فكتب إلى أرسطو يعلمه ذلك ويسأله القدوم عليه بابنه ليجدّد العقد الذي عقد له ، فلمّا ورد الكتاب على أرسطو قدم عليه بالإسكندر ، وقد زيّنه من العلم بأحسن زينة ، فدخل على الملك ، فأمر بتقديم مجلس أرسطو ، وأحسن المكافأة له على ما كان منه في ابنه .
وجمع أهل العلم وأولي المعرفة ففاتحوه ، فرأوا أنّه قد بلغ الغاية ، فقال له الملك : أرجو يا بنيّ أن تبلغ من ما يؤمّل لك ويرجى فيك من سعادة الجدّ ، وتكون المستحقّ للقيام بأمور الناس كقيام آبائك تحنّنا وعطفا ورأفة ، ثم جدّد له البيعة ، وتقدّم بعقد الإكليل على رأسه ، وأجلسه مجلس الملك ، ودخل عليه القوّاد والجنود فسلّموا عليه بسلام الملوك .
ثم دعا أرسطو ، فقال له : الحمد للّه الذي جعلك أهلا لما أتاك من العلم ، وإيّاه أسأل الزيادة لك من الحسنى ، وشكر له وأعلمه موقعه منه ثم سأله أن يعهد إلى ابنه عهدا يخصّه به يكون عونا وداعيا إلى مصلحته ، ويكون عزاء للملك من فراق الدنيا فأجابه « 1 » من المطيع له ولا المعلم أقلّ انتفاعا بالعلم من المعلّم له ، ولا الناصح بأوفى بالمديح من المنصوح له متى قبل ؛ إنّ أفضل ما أنت تارك هواك على ما أنت قضيت من لذّته والسرور به ، كفصل ما يقسم الناس من معايشتهم في الدنيا ؛ وإنّ اللّه عزّ وجلّ الواهب لم يرض لنفسه من الناس إلّا بمثل الذي رضي لهم به منه ، فإنّه رحمهم وأمرهم بالتراحم وصدّقهم ، وأمرهم بالتصادق وجاد عليهم ، وأمرهم بالجود وعفا عنهم ، وأمرهم بالعفو فليس قابلا منهم إلّا مثل ما أعطاهم ، ولا آذنا لهم في خلاف ما أتى إليهم ، فاعط ، وليت أمره من رأفتك ورحمتك وعفوك ما يرغب « 2 » موفّرا ؛ واعلم أنّه لا شيء لك إلّا ما نلت من جميل الذكر ورضوان
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : إلى ذلك وبدا بأن قال : ليس الأمر بالخير بأسعد به
( 2 ) أ : ح . ن . : في مثله موقنا بأنك إن أعطيت ذلك من نفسك أعطيته .