تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
فالزهد ؛ واعلم أن الزهد باليقين ، واليقين بالبصر ، والبصر بالفكر ، فإذا فكرت في الدنيا لم تجدها أهلا لأن يكرمها بهوان الآخرة ، لأن الدنيا دار بلاء ومنزل بلغة ، وقد قال أميروس الشاعر : كلّ ضدّ مخالف ضده ، ولا خير في شيء يزول ويذهب ، اتهم أخلاقك السيئة فإنّها إذا اتصلت بها حاجتها من الدنيا كانت كالحطب للنار وكالماء للسمك ، وإذا عزلتها عنها وحلت بينها وبين ما « 1 » انطفت كانطفاء النار عند فقدان الحطب ، وهلكت كهلاك السمك عند فقدان الماء ؛ إذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة ، فإنّه من لم يكن له قناعة فليس المال مغنيه وإن كثر . وقد قال أوميروس الشاعر : لا مال يكفي عند ترك القناعة ، ولا خير في المرء إذا لم يكن قنعا ، واعلم أنه من علامة تنقل الدنيا وكدر عيشها أنه لا يصلح منها جانب إلّا بفساد الآخر ، فلا سبيل في صاحبها إلى عزّ إلّا بإذلال ، ولا إلى الاستغناء إلّا بالافتقار ؛ واعلم أنّ الدنيا ربّما أصيبت لغير حزم في الرأي ولا فصل في الدين ، فإن أصبت حاجتك منها وأنت مخطئ أو أدبرت عنك وأنت مصيب فلا يستخفنّك ذلك إلى معاودة الخطأ ومجانبة الصواب ؛ لا تضننّ على الناس بما ترغب فيه ، ولا تأت إليهم ما تكره أن يؤتى إليك ، وقاتل هواك ، واقصر رغبتك ، واكفف شهوتك واستأصل الحقد من قلبك ، وطهّر من الحسد جوفك ، واقبض إليك أملك ، فإن بسط الأمل مقساة القلب ومشغلة عن المعاد ، ولكن مما تستعين به على إطفاء الغضب علمك بأنّ الزلل لا يخلو منه أحد وبه وقع صاحبك ، ولعلّ عدوّا لك حمله على ذلك فإن أطعت هواك في أخيك « 2 » ومكّنته من نفسه فما أحقّك أن تعصى من طاعتك له هلكة ، ومعصيتك له سلامة ، وهو هواك ، ولعلّك يا إسكندر ترى أنّ عقوبتك تنكيك عن الذنب أو زيادة في الأدب ، فإن هممت بذلك فما صدق نفسك ضميرك وسيرتك دون ظاهرك وعلانيتك ، وانظر يا جميل الذكر شفاء
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : ما تهوى . ( 2 ) أ : ح . ن . : الذي أتى على يديه الذنب إليك قد أشمت عدوّك بك وظاهرته على أخيك .