تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
ذلك كان بمنزلة من منع من الماء الظمآن إليه ، وكذلك أيضا لا ينبغي أن تعرض على من لا يطلبها ، فيقلّ قدر الحكمة ، ويستخفّ بها ، ويحقّ لها أن يكون ذلك بمنزلة من يعرض على الرّيّان من الماء العذب الماء المالح . وقد عرف الملك حال مدينة أثيناس وأن آباءك المحمود أثرهم ، الذين كانوا أسّسوا العلم فيها وتقدّموا فيه بكتاب وضعوه « 1 » فإنه متى صار الأمر إلى خلافها دثر ذكرهم ، واضمحلّ الاسم الذي شرّفوا به ، ولعمري كاد أن يدخل الخلل ذلك الموضع حتى حسن نظر الملك في ذلك ، وكثر تفقّده ، وأقرّه بإقامته على ما لم يزل ، وقد قال أميروس الشاعر أن الحكمة تريد خلاء موضع لترسخ في العقول وتفهم ، وقد أجبتك أيها الملك المحمود إلى الذي سألتني ، وامتدحت به عند أهل الحكمة ورجوت أن يكون مسدّدا ، وأن يكون المشار إليه بهذا الأمر حقيقا لما يؤمّل له من سعادة الجدّ وإظهار الرشد ، وبعد أيها الملك ، فإنّه لم يكن بأثيناس أحد يوازيه في القدر ، فإنّ فضل المذاكرة عزيز زيادة عند من يريد الحكمة وثبات المعرفة ، وههنا قوم ليس لنا عن اجتماعهم معه غنى لرسوخ الحكمة وثبات العرفة ، ففي سعادة جدّك أيّها الملك ، وما مكّن لك دليل على زيادة ذلك لك أوّلا وآخرا . فلما وصل الكتاب إلى فيلبيوس الملك حمد ذلك من الحكيم ثم دعا بالقواد وأهل النجدة والبأس وأهل القدر يعقد لابنه البيعة في أعناقهم وإطراء ذكر نفسه عندهم ، وجدّد لهم العطايا والمواهب ، وكتب إلى جميع عمّاله وأعماله ، فأكّد ذلك عليهم ، وصحّحه ، ثم كتب إلى أرسطو يعلّمه ذلك ، ووجّه إليه بالإسكندر ابنه إلى أثيناس فقبله أرسطو « 2 » بأحسن نموّ ، وبلغ أحسن المبالغة ، ونال من العلم والفلسفة ما لم يبلغه أحد من أقرانه ولا من أهل
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : عند ميروغس رئيس الكهنة بأن لا ينقل العلم منها وأن تكون هي معقل ذلك وموضعه . ( 2 ) أ : ح . ن . : أحسن قبول وقصد نحوه حتى بلغ الغلام حيث ظنّ به ورجا أن الخلف الصالح بعد أبيه فأقام بذلك خمس سنين ينمى . .