الخلائق وإجهادها في درك حقائقها ، وإنها لم تخبر عن هذا الأمر لعظمه وارتفاعه عند ملوك جميع الصناعات عنه ، ولم ير لنفسها بأنّها ليست أهلا لهذه الفضيلة بل رأت معرفة الحقّ كلّه مشاكلة لها جميلة بها .
ولمّا لم توصل إلى البلد السمائي وبلوغ ما هناك بمحاورة الأرض وما عليها بالجند الحافي النّعل كما هم قوم اللوذانيين الذين حادت عقولهم ، لكن النفس بمخالفة الفلسفة والنهوض بما نقدت بعقلها ولجت لنفسها طريقا سارت فيه غير شاق ولا مجترّ ، ثم عمدت إلى ما يتباين ويتفرّق من الأشياء فجمعته في فكرتها ، فخزنته هناك ، فتسهّلت عليها معرفة الأمور كلّها إذ تتأمّل بعين لطفها الأمور الإلهية ، وتنهى عنها الناس جودا منها بعطاياها الكريمة ، واقتدارا على الأفعال الجميلة ، فكذلك كلّ من اجتهد في تعب بلد أو نهر أو جسر به جبل كما فعله القدماء من الخراب ، مورهون « 1 » ووصف الأرض لم يكن أهلا أن يتعجب « 2 » منه ، وفخامة أمره في نفسه بما أدرك من الفطن الصغيرة التي نزلت عنده بمنزلة العظائم أعشى أبصارهم عن الفضائل المشهورة ، أعني أجزاء العالم ، فلو أحاطوا تعليمه لا نقطع تعجّبهم ممّا سواه ، وكان صغيرا لا خطر له إذا قيس بشرب هذا ، وأمّا نحن فمثبتون جوهر كلّ شيء وحركته ، وأنا أسألك أن تشارك هذا العلم الذي ينزل الفلسفة منزلتها ويرفعها عن منزلة الصنعة لنهج يمسك من مواهبها النفيسة وأقسامها المغبوطة . وكان يوصي أصحابه : جودوا على أقربائكم وأكرموا إخوانكم ، وأحسنوا إلى المنقطعين إليكم .
وكان ينادي على باب الإسكندر في كلّ يوم ثلاثة أصوات ، يا معشر الناس ، التمسّك بطاعة اللّه عزّ وجلّ أحسن من الوقوف على المعصية وأسلم ، فاحذروا ، فإنّ الطاعة تجدي ، والمعصية تردي .
كتبت أمّ الإسكندر إليه : احذر طبيبك من السمّ ، فدعاه وأمره أن يأتيه
هامش
( 1 ) « كذا » في « أ » كلمة غير واضحة .
( 2 ) أ : ح . ن . : منه بل أنيرهم لنقص رؤيته .