تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
قال : بم ذاك ؟ قال : من أهل الدّنيا كيف اغترّوا بها ، ومن أهل التجربة كيف وثقوا بها . قال : فمن أيّهم كان أكثر تعجّبا ؟ قال : من مصروعها كيف عاودها ، ومن مسلوبها كيف راجعها ، ومن الذي مات أبوه كيف رجاه البقاء ، ومن باقيها كيف فرح بما ليس بدائم ، ومن فقيرها كيف حزن على فوت ما يشقى به الغنيّ . قال : فمن أيّهما كان أشدّ تعجبا ؟ قال : من جميعها سواء ، وذلك أنّ هذا فرح بما ليس له ، وهذا حزن على قوت ما يشقى به الغنيّ كيف لم ينله ، فأحبّ أن يثقل ظهره وهو خفيف الظهر ، وأحبّ أن يكثر همّه وهو قليل الهمّ والغمّ ، وأراد أن يكون في تعب ونصب وهو مستريح ، وإنّما يكفيه من الدنيا ما يسدّ جوعه ويذهب ظمأه ويستر جسمه . قال : أهو في دوام الملك للملك أظهر سرورا أم في زواله ؟ قال : بل في دوامه . قال : ولم ذلك والدنيا ليست من شأنه ؟ قال : للقدرة على إظهار الحكمة في سلطانه والاستمعان من إفاضة العلم وإشاعته ، وتقريب الحكماء والعلماء ، وأخذ الرعيّة ، بالأدب العائد بالخير ودرك الأجر في تبصير أهل الجهالة ، وحمل الناس على الهدى والسّيرة الفاضلة والقوّة على رفض الدّنيا « 1 » ورفض غلبتها عند تكاثرها وتواترها ، فإنّ الدنيا لم تغلبه في نفسه ، ولم تورّطه في فجاجها ، ولم تمدّه بحلاوتها وأنواع خدعها وزخارفها المهوية وأسباب غرورها التي يسرع إليها أهل الجهالة الذين لا يفكرون في عواقب « 2 » . . له ازداد منها نفورا . قال : كيف كانت هيبته للموت وخوفه على الوقوف على محاسب النفوس
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : ورفض الشهوات وترك الملذات عند القدرة عليها والتمكّن منها والامتناع عنها . ( 2 ) أ : ح . ن . : الأمور فقهر الدّنيا ولم تقهره وضبطها ولم تضبطه ولكنها كلّما لمعت .