نرد مورده ، ولا نلقي بأيدينا إليك تحكم فينا بالقتل ، ولكن نموت كراما ؛ فقال لهم الإسكندر : من وضع السلاح فهو آمن ، فوضعوا السلاح ، فكفّ عن القتال .
ودخلوا في سلمه فأحسن إليهم ، وأمر بجسد فور فطيّب وكفّن وفعل به ما يفعل بالملوك من الكرامة ، وأخذ أمواله وما كان في أرضه من ذلك ، ومن السلاح ، وقيل إنهما لمّا التقيا قال له الإسكندر : أتستعين عليّ وأنا أضعف منك ؟ فغضب فور ، وقال : بمن ؟ فقال له : بالفارس الذي خلفك ؛ فالتفت فور ، فزرقه بمزراق ، فذبحه ، فضالحوه ، ثم خرج عليه ابنه ، فقتله محاربة ، ثم سار إلى البرهماتيين لما بلغه من علمهم ، وجمعهم . فلمّا بلغهم مجيئه أنفذوا إليه جماعة من علمائهم ، وكتبوا : من البرهماتيين البشر إلى ذي القرنين ، إن كنت إنّما أتيت لقتالنا فليس عندنا ما تقاتلنا عليه ، فارجع فإنّا مساكين ، وليس لنا إلّا الحكمة « 1 » فارغب إلى اللّه تعالى ولا دنيا نعطيكها .
فلمّا قرأ كتابهم ، أمر أصحابه بالوقوف ، وسار إليهم في عصبة يسيرة ، فلمّا دنا منهم رأى قوما عراة مساكنهم المطال والمغاور ، وأبناؤهم ونساؤهم يجتنون البقل ، فساءلهم ، ومرّت بينه وبينهم محاورات ومسائل كثيرة من الحكمة ، ثم قال : سائلوني لعامّتكم ؛ فقالوا : نسألك الخلود لا نريد غيره ؛ فقال : كيف يقدر على الخلود لغيره من لا يقدر عليه لنفسه زيادة ساعة في عمره . هذا لا يملكه أحد ؛ فقالوا له : إذا كنت تعلم هذا ، فما تريد من قتال هذا الخلق وإبادتهم وجمع كنوز الأرض وأنت مفارقها ؟ فقال لهم : لم أفعل هذا من قبل نفسي ، ولكن ربي بعثني لإظهار دينه وقتل من كفر به ، أما تعلمون أن أمواج البحر لا تتحرّك حتى تحرّكها الريح ، فكذلك أنا لو لم يبعثني ربّي لم أبرح من موضعي ولكنّي مطيع لربّي عزّ وجلّ منقّذا أمره حتى يأتيني أجلي وأفارق الدنيا عريانا كما دخلتها ، ثم انصرف عنهم .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : بلا أموال الحكمة ما ينال بالقتال فإن كانت الحكمة طلبك من قبلنا . .