بعض ما نزل بي بكتاب أوجّهه إلى أمّي ، فإذا فرغت منه فاقرأه عليّ قبل موتي فإنّي أظن عن قليل سينزل بي ، وكان الكتاب المعروف الذي أوّله : من العبد بن العبد الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا ، ومجاور أهل الآخرة بروحه طويلا إلى أمّه روقيا الصفيّة الحبيبة التي لم يتمتّع بقربها في دار القرب ، وهي مجاورته غدا في دار البعد . . إلى آخر الكتاب .
وكان بدء مرضه بقومس ، واشتدّ بشهرزور ومات بروسقاد ، وكان قد وصّى إلى جثته « 1 » ويجعل في تابوت من ذهب ، ويحمل إلى الإسكندرية فيوارى هناك ، ففعل ذلك ، وحمل على مناكب العظماء والحكماء والأشراف والملوك والوزراء والأمراء وسائر طبقات الناس ، ويلقبه « 2 » ذو القرابة من أهله الأخصّ فالأخصّ ، ثم قام زعيم القوم ، فقال : هذا يوم عظمت العبرة فيه ، وكشف للملك عنه ، وأقبل من شرّه ما كان مدبرا وأدبر من خيره ما كان مقبلا فمن كان باكيا على ملك فليبك ، ومن كان متعجّبا فليتعجّب .
ثم أقبل على الحكماء فقال ليقل كلّ امرئ منكم قولا يكون للخاصّة معزّيا وللعامّة واعظا ، ففعل ذلك ، فقال ميلاطوس : خرجنا إلى الدنيا جاهلين ، وأقمنا فيها غافلين ، وفارقناها كارهين .
وقال زينون الأصغر : يا عظيم الشّان ما كنت إلّا ظلّ سحاب اضمحلّ إلى أطل فما يحسّ لملكك أثر ، ولا يعرف له خبر .
وقال أفلاطون الثاني : أيّها الساعي المغتصب ، جمعت ما خذلك ، وتولّيت ما تولّى عنك ، فلزمتك أوزاره ، وعاد على غيرك مهنؤه وثماره .
وقال فوطس : ألا تتعجّبون ممّن لم يعظنا اختيارا حتى وعظنا بنفسه اضطرارا .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : تكفن .
( 2 ) « كذا » في « أ » ، ولعلّ الصواب : تلقّاه .