وقال مطرر : قد كنّا بالأمس نقدر على الاستماع ولا نقدر على القول ، واليوم نقدر على القول فهل تقدر على الاستماع .
وقال ثاون : انظروا إلى حلم النّائم كيف انقضى وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى . وقال ثيوس : قد أمات هذا الشخص كثيرا لئلّا يموت ، فمات ، فكيف لم يدفع الموت عن نفسه بالموت ؟ .
وقال حكيم : طوى الأرض العريضة فلم يقنع حتى طوي منها في ذراعين .
وقال آخر : ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان وآلة وعدّة غير سفره هذا .
وقال آخر : ما أدعنا فيما فارقت وأغفلنا عمّا عانيت .
وقال آخر : يؤذينا بكلامه كما أذانا بسكوته . وقال آخر : من شدة حرصه على الارتفاع انحطّ كلّه .
وقال آخر : الآن تضطرب الأقاليم لأنّ مسكنها قد سكن .
وحمل تابوته إلى الإسكندرية ، فلمّا قرب من البلد أمرت أمّه أن يتلقوه بأحسن هيئة ، ففعلوا ذلك ، فلما أدخل التابوت عليها قالت : العجب يا بنيّ لمن بلغت السماء حكمته ، وأقطار الأرض ملكه ، ودانت له الملوك عنوة ، كيف هو اليوم نائم لا يستيقظ ، وساكت لا يتكلّم ؛ فمن ذا يبلغ الإسكندر عنّي فيعظم حنّاؤه مني وتجود منزلته عندي ، فإنّه قد وعظني فاتّعظت ، عزّاني فتعزّيت وصبرت ، ولولا أني لا حقة به ما فعلت ، فعليك السلام يا بنيّ حيّا وهالكا ، فنعم الحيّ كنت ونعم الهالك أنت .
وحضرها الحكماء ونطقوا بالحكمة والموعظة كما نقل من سلف ، ثم أمرت بالتابوت ، فدفن بالإسكندرية ، ثم صنعت طعاما كما أمرها الإسكندر في كتابه ، وأحضرت له النّساء ، فلمّا وضع الطعام بين يديها أقسمت عليهنّ أن لا يأكل من طعامها امرأة دخل بيتها الحزن وأصابتها مصيبة .
فلما سمعن ذلك أمسكن عنه وقلن : كلّنا دخل بيوتنا الحزن ؛ فقالت
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 230
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٣٠