وعيناه تدمعان ، وقد وضع يد ذي القرنين على وجهه وهو يقبّلها « 1 » : يا ذا القرنين لا تتكبّر ولا تتجبّر ولا ترفعنّ نفسك فوق قدرتك ، ولا تركننّ إلى الدنيا ، فقد رأيت ما أصابني ، ولك فيّ عبرة أنت مكتف بها ، فاحذر مصرعي ، وتوقّ ما صيّرني إليه المقدار ، واحفظني في أمّي فصيّرها أمّك في المنزلة ، وامرأتي فصيّرها بمنزلة أختك ، وقد زوّجتك ابنتي روشنك ، ثم وضع يده على فيه فمات ، فأمر الإسكندر بدارا فغسل بالمسك والعنبر وكفّن بالثياب المنسوجة بالذّهب .
ونادى المنادي في الروم والفرس ، فاجتمعوا مشتملين بالسلاح ، فكتبهم كتائب ، وصفّهم صفوفا ، ثم أمر بعشرة ألف رجل متسلّحة أن يمشوا أمام سريره ، قد استلوا سيوفهم ، وعشرة ألف خلفه « 2 » عن شماله ، ومشى ذو القرنين في مقدّم سريره ، ومعه عظماء الروم وفارس وساداتها ، وسارت الكتائب والصفوف ، ومشت الرجال على مراتبها ، حتى انتهوا إلى حضرته ، فجلس الإسكندر عندها ، وأمر بدفنه فدفنوه ، وأمر بالقبض على قاتلي دارا فأخذا وصلبا عند قبره ، فلما رأى ذلك رجال الفرس ازدادوا له محبّة ، فأمر جنوده أجمعين أن يمرّوا بين المصلوبين رجلا رجلا ، ثم بعث إلى روشنك أعلمها ما كان من وصيّة أبيها ومسألته له أن يتزوّجها ، وعرض عليها ذلك ، فأجابته ، فأمر لها بمال فجهّزت وحملت إليه ، ثم خلف على فارس أخا دارا وصيّره مكان أخيه ، وملك على مملكة فارس تسعين ملكا ، وهم ملوك الطوائف .
وأحرق كتب دين المجوسية ، وعمد إلى كتب النجوم والطّبّ والفلسفة ، فنقلها إلى اللسان اليوناني ، وأنفذ إلى بلاده ، وأحرق أصولها ، وهدم بيوت النيران ، وبنى مدينة بالمشرق ، ونقل إليها الناس من البلدان بأهاليهم
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : ويقول .
( 2 ) أ : ح . ن . : كذلك وعشرة آلاف من يمينه وعشرة آلاف عن شماله .