تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
بعقد الإكليل على رأسه ، وأجلسه مجلس الملك ، ودخل عليه القوّاد والجنود ، فسلّموا عليه سلام الملوك ، ثم دعا أرسطاطاليس وسأله أن يعهد إلى ابنه عهدا بحضرته داعيا له إلى مصلحته ، وعزّ للملك عن فراق الدنيا ، فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد الذي أوّله : ليس الأمر بالخير بأسعد من المطيع ولا المتعلم بأسعد من المعلّم ، وهو عهد موجود في أيدي الناس ، واشتدت عليه ، ثم قضى نحبه . فقام الإسكندر في الناس ، فقال أيها الناس إنّ ملككم قد مات وليس لي عليكم ولاية ولا إمارة ، وإنّما أنا رجل منكم أرضى بما رضيتم ، أدخل فيما دخلتم ، لا أخالفكم في شيء من أموركم ، فقد عرفتم ذلك منّي في حياة والدي وإني آمركم بتقوى اللّه عزّ وجلّ والتمسّك بالطاعة ولزوم الجماعة « 1 » ، فملككم أطوعكم لربّه تعالى ، وأرفقكم بالعامة ، وأعناكم بأموركم ، فقد عرفتم ذلك مني ، وأرحمكم لمساكينكم ، ويبذل نفسه في صلاحكم ، ولا تشغله الشهوات عنكم ، وتأمنون شرّه وترجون خيره ، ويباشر قتال عدوّكم ؛ وهي خطبة طويلة . ولما سمعوا قوله تعجّبوا منه ومن رأيه ونظره فيما تنظر فيه الملوك قبله ، فقالوا له : قد سمعنا قولك ، وقبلنا مشورتك ونصحك لعامّتنا ، وقد ولّيناك أمرنا ، فعش الدهر علينا ملكا مسلّطا ، لا نرى أحدا من أهل الدنيا أحقّ بالملك منك . ثم قاموا إليه فبايعوه ووضعوا التاج على رأسه ، ودعوا له بالبركة ، فقال لهم الإسكندر : قد سمعت ثناءكم عليّ وسروركم بتمليككم إيّاي عليكم ، وأنا أسأل الذي وهبنا منكم المحبّة وأثبت في قلوبكم ( 1 ) . ثم كتب إلى عمّال مملكته وصاحب كل ناحية : من ذي القرنين
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : طاعني أن يلهمني العمل بطاعته ولا تشغلني بشيء من شهوات الدنيا وزينتها عن صلاحكم .