وقال عند وفاته : خذوا جامع العلم مني : من كثر نومه ، ولانت طبيعته ، ونديت جلدته طال عمره ؛ والإقلال من الضّار خير من الإكثار من النافع .
وقال : لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لم يمرض لعدم الضدّ . وقال لعليل : أنا وأنت والعلة ثلاثة فإن أعنتني بالقبول غلبنا العلّة لأنّ الاثنين يغلبان الواحد .
وحكايته مع ابن الملك العاشق لزوجة أبيه وجسّ نبضه مشهورة . قال :
العشق طمع يتولد في القلب وتجمع فيه موادّ من الحرص ، فكلّما قوي ازداد اللجاج وشدّة القلق وكثرة السهر فحينئذ يحترق الدم ويستحيل سوداء ، وتلتهب الصفراء وتنقلب إلى السوداء ؛ ومن طغيان السوداء فساد الفكر ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون وتمنّي ما لا يتمّ حتى يؤدّي إلى الجنون ، فربّما قتل العاشق نفسه أو مات غمّا وقد يصل إلى معشوقه فيموت فرحا « 1 » .
30 - أخبار أوميرس الشاعر وشيء من حكمه وآدابه
وكان أقدم شعراء اليونانيين وأرفعهم منزلة عندهم ، وكان يجري عندهم مجرى امرئ القيس في شعراء العرب ، وكان زمانه بعد زمان موسى ، عليه السلام ، بنحو خمسمائة وستين سنة ، وله حكم كثيرة ، وقصائد حسنة جليلة ، وجميع شعرائهم الذين أتوا بعده على مثاله احتذوا ، ومنه أخذوا وتعلّموا ، وهو القدوة عندهم ، وأسر وأتى به المقسم ليباع ، فسأله بعض من أراد ابتياعه ، فقال له : من أين أنت ؟ فقال : من أبي وأمّي ، فقال له : أترى أن أشتريك ؟
فقال بعد لم تشتريني ، أمشير في مالك جعلتني ، فاشتراه بعضهم ، فقال له :
لأيّ شيء تصلح ؟ فقال : للحرية . وأقام في الرّقّ مدّة وعتق بعد ذلك ، وعاش عمرا طويلا ، وكان معتدل القامة ، حسن الصورة ، أسمر اللون ، عظيم الهامة ، ضيّق ما بين المنكبين ، سريع المشية ، كثير التلفّت ، بوجهه آثار
هامش
( 1 ) القفطي ، ص : 47 .