تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وقال : إفراط مقدمة الجرأة قوة نفس من ظفر بالحدّ العد ؛ وآلة الرئاسة سعة الصّدر . وقال : الدنيا دار من نال مراتبها لم يفرح ومن فقد الرّئاسة منها كان حقيرا وقال : من يعلم أنّ الحياة لنا مستعبدة ، والموت معتق آثر الموت على الحياة ، وهذا كلام نفيس وهو خلاصة الفلسفة وثمرة الحكمة . لأنك إذا علمت حكم هذه الحياة وشأنها وجميع ما هو علاقة عليها علمت أنّها قيد وأنّ صاحبها مسجون وأنّ الفكاك من هذه القيود والراحة من هذا السجن إنّما هو بالموت الذي هو التحول من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان ، وإنّما استبشع هذا الاسم من لا دربة له بالفلسفة ولا خبرة له بالحكمة ، وإنّما يعرف ما يرى ويسمع دون ما يستبان ، ويعقل لا جرم إذا ذكر له الموت حال وجزع وانتفض وفزع ، ولو كان للحمار مثل عقله لكان هذا العارض فيه أقوى ، ولكان به أولى ، ولولا نقص اللسان لما حط نفسه إلى حال الحمار فيما لو لحقه لكان مثله ، ومتى ارتفع هذا النقص رفع نفسه إلى حرم علوي شريف مستنير باق دائم ، وتطاول إليه وتشبّه به واحد يهديه ، وامتطى لما يكون مبلغا له إلى محله ومشرفا به على حاله ، ولن يزول هذا النّقص إلّا عن واحد بعد واحد في دهر بعد دهر ، فلا تعجبنّ من إنكار من ينكر قولنا في التهاون بالموت فله شركاء ومعه قرناء ، وإنّما كلامي مع أهل العقل واليقظة والخير والجدّ والعزم فأمّا من قد ألهاه العز والمال والنعم والجاه والذهب والفضّة والعقار والضيعة والسريّة والغزل والصبابة والنظر والتحيّل والمدح واللعب فإنّه عما نقوله ونسطّره أعمى أصمّ ميت مدّعى حيا وغائب مدّع حاضرا ، ومرجوم يحسب مغبوطا . وقال : العقل نحوان : الطبيعي والتجاري ، وهما في التعاون بمنزلة الماء والأرض للنبات والأثمار ، ومن لم يحسن تدبير هذين النحوين من عقل الطبيعة ، والتجربة واستعمالها والاستعانة بهما في أموره لم يكمل في العلم