تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ناظر بحسب نظره ويستفيد منها بحسب فكره واستعداده فلا يجد على قوله متباعا ولا طعنا . فإنّ أبرقلس لمّا كان يقول بدهر هذا العالم وإنّه باق لا يدثر ، وضع كتبا « 1 » في هذا المعنى ، فطالعه من لم يعرف طريقته ، ففهموا منه جسمانيّة قوله دون روحانيّته فنقصوه على مذهب الدهريّة ، وفي هذا الكتاب يقول : لما اتصلت العوالم بعضها ببعض وحديث القوى الواصلة فيها ، وحديث المركّبات من العناصر حديث قشور ، واستنبطت لبوب كالقشور دائرة ، واللّبوب قائمة دائمة لا يجوز الفساد عليها لأنّها بسيطة وجيّدة القوى . فانقسم العالم إلى عالمين : عالم الصفوة واللبّ وعالم الكدورة والقشر ، فاتصل بعضه ببعض ، وكان آخر هذا العالم من بدء ذلك العالم ، فمن وجه ليس بينهما فرق ، فلم يدثر هذا العالم لاتصاله بما يدثر ، ومن وجه تدثر المقشور وتزول الكدورة ، وكيف لا تدثر القشور ؟ وممّا لم تزل القشور باقية كانت اللبوب خافية ، ولأنّ هذا العالم مركّب والعالي بسيط ، وكلّ مركّب ينحلّ إلى البسيط الذي تركّب منه ، وكلّ بسيط دائم . والذي نقل عن أبرقلس هو المنقول عن مثله والذي أضاف إليه القول الأوّل ، إما أنّه لم يقف على مرامه للعلّة المذكورة أو لأنّه كان محسودا عند أهل زمانه ، لأنّه بسيط الفكر ، واسع النّظر سائر القوى ، وكان أولئك أصحاب أوهام وخيالات . فإنّه يقول في موضع من كتابه : أنّ الأوائل منها تكوّنت العوالم وهي باقية لا تدثر ، وهي لازمة الدّهر ، ماسكة له ، إلّا أنها من أوّل واحد لا يوصف بصفة ، ولا يدرك بنعت لأنّ صور الأشياء كلّها منه وهو الجوهر الممدّ للطباع الحياة والبقاء ، فإذا اضمحلّ قشور هذا العالم وذهب دنسه وصار بسيطا
هامش
( 1 ) « كذا » في « أ » ، والصواب : كتابا ( كما يستنتج من سياق الكلام ) .