ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار ، وأصناف الآثار ، وصارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة ، كما تحدث الصورة في المرآة الصقيلة بلا زمان ولا ترتيب بعض على بعض ، غير أنّ الهيولى لا يحتمل القبول ، فقلّت أنوار الصور في الهيولى .
وكان يقول : إنّ نسبة هذا العالم إلى ذلك العالم نسبة النقل والقشر إلى اللب ، والقشر بريء منه ، وإنّما ثبات هذا العالم بما فيه من قليل نور ذلك العالم وإلّا لم يثبت طرفة عين ، ويبقى ثباته إلى أن يصغي العقل جرمه الممتزج به ، وتصفّي النفس جزءها المختلط ، فإذا صفي الجزءان عنه ورث أجزاء هذا العالم وبقيت الأنفس الدّنسة في مبدأ الظلمة . رأي انكساغورس الملطي كرأي بالس وخالفه في المبدأ الأول ، فإنّ مبدأ الموجودات عنده متشابهة الأجزاء وهي أجزاء لطيفة لا يدركها الحسّ ولا ينالها العقل ، منها يتكوّن العالم العلويّ والسّفليّ إذ المركبات مسوقة بالبسائط والمختلفات بالمتشابهات ، فإن المركّبات تركّب من العناصر المتشابهة ، والحيوان والنّبات يغتذي من الأجزاء المتشابهة وغيرها ، فتصير متشابهة في المعدة وتجري في البدن ، وتصير أجزاء مختلفة ، ووافق الحكماء في أنّ المبدأ الأوّل العقل الفعال ، وخالفهم في أنّ الباري تعالى ساكن غير متحرّك .
وقال : إنّ أصل الأشياء جسم واحد هو موضع الكلّ لا نهاية له ، ولم يبيّن أنّه من العناصر أو من غيرها ، قال ومنه يخرج جميع الأجسام والأنواع وأصناف القوى ، وهو أوّل من قال بالكمون والظهور ، وكان بعد انقسمانس الملطي وقد ملأ أرسطو كتبه من أقواله وآرائه ومذاهبه والرّد عليه فيما لم يوافقه . وكان يأخذ نفسه بالتقشّف ، ويسومها الشدائد من مقاساة البرد والجليد والثلج عريانا حافيا على كبره وضعفه ، فقيل له في ذلك ، فقال : لأنّ نفسي سريعة المرح ، فأخشى أن تشرد ، وأخاف أن تجمح بي فتورطني في أهوائها المذمومة فما لي لا أجعلها تحتي دون أن أكون تحتها ، ولم لا أحملها على الشدائد دون أن تحملني على الفواحش . وكان في مدينته هرج واختلاط
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 173
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٧٣