أن تلزموا ما أنعم اللّه سبحانه عليكم ، يا طالبي الذهب والفضة لأنفسكم تريدون جمعها أم لأنفسهما ، فإذا جمعتموهما ، فإن كنتم راغبين فيهما ، فما الذي يحملكم على أن تبتاعوا بهما المحقرات ، أما تعتبرون وتعلمون أنّهما لا رغبة فيهما ؛ دعوا الذهب والفضة ؛ لا تجمعهما وتشقى بهما ؛ وعليكم بالحكمة فإنها ضياء النفوس ، وبها تظهر فضائلهما وجميع أخلاقهما ؛ الزموا العلم فإنّه من خاصّة الصورة التي هي بدء الخلقة .
ولا تطلبوا الإسراف في الأكل والشّرب فإنها من شكل الهيولى التي هي أوضع من الصورة وهو الذي يتمّ بفعال الصورة ، فتشبّهوا بالصورة لأنّها المحرّكة بالقوة التي أنشأ فيها الخالق تعالى ، ولا تميلوا إلى الهيولى الذي أنشأه الخالق تعالى وتمّمه بالصورة وحرّكه بتحريك القوّة لها حقا . أقول لكم إنّ اميرس الشاعر مصيب في حكمته وقوله إنّ الهيولى مثال الأنثى والصورة مثال الذكر ؛ أصلحوا لأنفسكم يصلح لكم إخوتكم ، إن تقبلوا قولي ترشدوا وإن تغفلوها لم تضيعوا عزّ أنفسكم ، ولا يبالي ضرر ذلك غيركم ، الزموا طريق أسلافكم ، فارقوا الدّنيا وأنتم غير مجروحين بشهواتها ، قدموا الحكمة على جميع المرغوب فيه .
اعنوا بقوام البدن فإنّه آلة النفس ، أطلبوا فضائل النفس تصحّ لكم قواكم ، لا تمدحوا المذموم ولا تذمّوا الممدوح ، تعاونوا على البرّ وارفعوا عنكم البغضاء ، لا تأنسوا بما يفارقكم ولا ترغبوا فيما تفقدوه قريبا ، واطلبوا الفضائل التي اتفق الناس على أنّها رغبة ؛ ارفضوا المذمومات لانقباض الناس أجمعين عنها ؛ اعتبروا بمن مضى من خياركم وملوككم وارموا الغرض الذي قصدوا إليه ؛ الحقّ واضح ، والصّواب بيّن ، والتّقى معروف والأنفة ظاهرة والمروءة مكشوفة ، والعدل فضيلة محمودة ؛ ما أبين وسمة المذمومات وما أظهر المصيبات ! .
أخبركم حقّا أني أجد من السّرور بتقضّي الذهب والفضة ما لم أجده من اللّذة في مزيد مالي منهما بل كانت الغموم متزايدة واردة للانقطاع بالاهتمام
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 150
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٥٠