تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أن تلزموا ما أنعم اللّه سبحانه عليكم ، يا طالبي الذهب والفضة لأنفسكم تريدون جمعها أم لأنفسهما ، فإذا جمعتموهما ، فإن كنتم راغبين فيهما ، فما الذي يحملكم على أن تبتاعوا بهما المحقرات ، أما تعتبرون وتعلمون أنّهما لا رغبة فيهما ؛ دعوا الذهب والفضة ؛ لا تجمعهما وتشقى بهما ؛ وعليكم بالحكمة فإنها ضياء النفوس ، وبها تظهر فضائلهما وجميع أخلاقهما ؛ الزموا العلم فإنّه من خاصّة الصورة التي هي بدء الخلقة . ولا تطلبوا الإسراف في الأكل والشّرب فإنها من شكل الهيولى التي هي أوضع من الصورة وهو الذي يتمّ بفعال الصورة ، فتشبّهوا بالصورة لأنّها المحرّكة بالقوة التي أنشأ فيها الخالق تعالى ، ولا تميلوا إلى الهيولى الذي أنشأه الخالق تعالى وتمّمه بالصورة وحرّكه بتحريك القوّة لها حقا . أقول لكم إنّ اميرس الشاعر مصيب في حكمته وقوله إنّ الهيولى مثال الأنثى والصورة مثال الذكر ؛ أصلحوا لأنفسكم يصلح لكم إخوتكم ، إن تقبلوا قولي ترشدوا وإن تغفلوها لم تضيعوا عزّ أنفسكم ، ولا يبالي ضرر ذلك غيركم ، الزموا طريق أسلافكم ، فارقوا الدّنيا وأنتم غير مجروحين بشهواتها ، قدموا الحكمة على جميع المرغوب فيه . اعنوا بقوام البدن فإنّه آلة النفس ، أطلبوا فضائل النفس تصحّ لكم قواكم ، لا تمدحوا المذموم ولا تذمّوا الممدوح ، تعاونوا على البرّ وارفعوا عنكم البغضاء ، لا تأنسوا بما يفارقكم ولا ترغبوا فيما تفقدوه قريبا ، واطلبوا الفضائل التي اتفق الناس على أنّها رغبة ؛ ارفضوا المذمومات لانقباض الناس أجمعين عنها ؛ اعتبروا بمن مضى من خياركم وملوككم وارموا الغرض الذي قصدوا إليه ؛ الحقّ واضح ، والصّواب بيّن ، والتّقى معروف والأنفة ظاهرة والمروءة مكشوفة ، والعدل فضيلة محمودة ؛ ما أبين وسمة المذمومات وما أظهر المصيبات ! . أخبركم حقّا أني أجد من السّرور بتقضّي الذهب والفضة ما لم أجده من اللّذة في مزيد مالي منهما بل كانت الغموم متزايدة واردة للانقطاع بالاهتمام