أنحاء الوجود إمّا متّصلة بكلّها أو مباينة بذواتها وحرانها ، فاتّصلت بالأبدان استكمالا ، والأبدان قوالبها وآلاتها ، فإذا بطلت رجعت النفوس إلى كلّياتها ، ولهذا قال لما خوّف بالملك القاتل له : أنّ سقراط في جبّ والملك لا يقدر إلّا على كسر الجبّ ، فإذا انكسر رجع الماء إلى البحر .
وقال : ينبغي لنا أن نغتم بالحياة ونفرح بالموت لأنّا نحيا لنموت ونموت لنحيا .
وقال : قلوب المغرقين في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة ، وبطون المتلذّذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة .
وقال : كما أنّ جميع الأعراض الخارجة التي تظهر في البدن تابعة ضرورة أمراضا في البدن وأشياء خارجة عن الطبيعة كذلك الكلام الفائض ؛ والأفعال الصعبة التي تظهر من النفس تابعة ضرورة أمراضا إمّا نفسانيّة وإمّا أشياء خارجة عن الطبيعة ثابتة في النفس .
وقال : كما أنّ الذين يستعملون حواسّ البدن ، فقط يمنعهم من الغضب الملك المحسوس إذا وقفوا بين يديه كذلك يجب على من يستعمل الحواسّ النّفسانيّة أن يمنعه من الغضب الخوف من الملك المعقول الذي هو واقف بين يديه دائما .
وقال : احذر حكم الحكيم ولا يغرّك تماديه ، فإنّ الصّندل مع برده تلحّ عليه الرّياح حتى تجمع بين أغصانه فيبلغ من قدح بعضها لبعض ما يوذي منه فتحرقه .
وذكر له رجل كثير المال فقال : لست أغبطه دون أن أعلم أنّه أحسن استعمال ماله .
وجعل لرجل على أن شتم سقراط مالا ، فشتمه ، فقال : إن كان ههنا وجه آخر يظنّ أن ينتفع بنا فيه فلا يمتنع منه .
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 143
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٤٣