قال سقراط : نفعل ، ثم سكت هنيهة ، وقال : لافريطون : من الرّجل الذي يأتيني بشربة موتى ؟ فدخل ومعه الشربة ، فتناولها منه وشربها ، فلمّا رأوه قد شربها غلبهم من البكاء والأسف ما لم يملكوا أنفسهم معه ، فعلت أصواتهم بالبكاء ، فأقبل عليهم يلومهم ويعظهم .
وقال : إنّما صرفنا النساء لئلّا يكون منهم مثل هذا . فأمسكوا استحياء منه ، وقصدا للطاعة له ، على مضض شديد من فقده ، وأخذ سقراط في المشي والتردّد هنيهة ، ثم قال للخادم : قد ثقلت رجلاي عليّ ، فقال له : استلق ، فاستلقى . فجعل ينخس قدميه ويقول : هل تحسّ بغمزي لهما ؟ فقال : لا .
ثمّ غمز ساقيه ، وجعل يسأله ساعة بعد ساعة ، وهو يقول : لا . فأخذ يخمد أوّلا فأوّلا ، ويشتدّ برده حتى انتهى إلى حقويه .
قال الخادم : إذا انتهى البرد إلى قلبه ، ومضى .
فقال له افريطون : يا إمام الحكمة ما نرى عقولنا إلّا تبعد عن عقلك فتعهد إلينا . فقال : عليكم بما أمرتكم به أوّلا . ثم مدّ يده إلى يد أفريطون ، فوضعها على خدّه .
فقال له : مرني بما تحبّ ، فلم يجبه بشيء ، ثم شخص ببصره وقال :
أسلمت نفسي إلى قابض أنفس الحكماء ومات ، فأطبق أفريطون عينيه ، وشدّ لحيته ، ولم يكن أفلاطون حاضرا معهم لأنّه كان مريضا .
وذكر أنّ سقراط هلك عن اثني عشر ألف تلميذ وتلميذ تلميذ ، وكان رجلا أبيض أشقر أزرق ، جيّد العظام ، قبيح الوجه ، ضيّق ما بين المنكبين ، بطيء الحركة ، سريع الجواب ، شعث اللّحية ، غير طويل ، إذا سئل أطرق حينا ثم يجيب بألفاظ متقنة ، كثير التوحيد ، قليل الأكل والشرب ، كثير التعبّد ، شديد « 1 » ، يكثر ذكر الموت ، قليل الأسفار ، مجيدا لرياضة بدنه ، خسيس
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : التعب .