الذي أسرّ به ، وليس بين هذه الحال عندي وبين الحال التي هي ضدّها فرق في الحرص على تقصّي الحقّ ، فإنّا وإن كنّا نعدم أصحابا ورفقاء أشرافا محمودين فاضلين ، فإنّا أيضا إن كنا معتقدين ومتيقّنين الأقاويل التي لم تزل تسمع منّا بأن نصير إلى أقوام أخر فاضلين أشراف محمودين ، منهم :
إيسلاوس وأيارس وأرفلس وجميع من سلف من ذوي الفضائل النفسانيّة .
فلمّا تصرّم القول في النفس وبلغوا فيها الغرض الذي أرادوه ، سألوه عن هيئة العالم وحركات الأفلاك وتركيب الاستقصّات فأجابهم عن جميعه ، ثم قصّ عليهم قصصا كثيرة في العلوم الإلهية والأسرار الربانيّة ، ولما فرغ من ذلك قال : أمّا الآن فقد حضر الوقت الذي ينبغي لنا أن نستحم فيه ونصلّي ما أمكننا ، ولا نكلّف أحدا بحمّام الموتى ، فإنّ الأرماني « 1 » قد دعانا ونحن ماضون إلى أراوس ، وأمّا أنتم فتنصرفون إلى أهاليكم ، ثم نهض فدخل بيتا فاستحمّ فيه وصلّى وأطال اللّبث ، والقوم يتذاكرون عظم المصيبة ، وأنّهم يفقدون منه حكيما عظيما وأبا عليما ويبقون بعده كاليتامى ، ثم خرج فدعى بولده ونسائه ، وكان له ابن كبير وابنان صغيران ، فودّعهم ووصّاهم .
فقال له افريطون : فما الذي تأمرنا أن نفعله في أهلك وولدك وغير ذلك في أمرك ؟
قال : لست آمركم بشيء ، بل هو الذي لم أزل آمركم به قديما من الاجتهاد في إصلاح أنفسكم ، فإذا فعلتم ذلك سررتموني ، ثم سكت مليّا وسكت الجماعة ، فأقبل خادم الأحد عشر قاضيا ، فقال : يا سقراط ، إنّك جريء مع ما يصيبك ، إنّك تعلم أنّي لست علّة موتك ، وإنّ علّة موتك القضاة الأحد عشر ، وأنا مأمور بذلك ، وإنّك أفضل من جميع من صار إلى هذا الموضع ، فاشرب الدواء بطيب نفس ، واصبر على الاضطراب اللازم .
ثم ذرفت عيناه وانصرف .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : الارمامافي .