الموجبون عليه القتل قضاة أسلس الأحد عشر ، وسقي السّمّ الذي يقال له فليون ، لأنّ الملك لمّا أوجب عليه القضاة القتل ساءه ذلك ، ولم يمكنه مخالفتهم .
فقال له : اختر أيّ قتلة ، شئت ، فقال بالسّمّ ، فأجابه إلى ذلك والذي أخّر قتل سقراط شهورا بعد ما أوجبوه عليه ، أنّ المركب الذي يبعث كلّ سنة إلى هيكل « 1 » أولوقومون ويحمل إليه فيه ما يحمل ، عرض له ما يحبسه لتعذّر الرّيح فأبطأ شهورا ، وكان من عاداتهم أن لا يراق دم ولا غيره حتى يرجع المركب من الهيكل إلى سنس ، وكان أصحابه يختلفون إليه في الحبس طول تلك المدّة ، فدخلوا إليه يوما .
فقال له أفريطون رجل منهم : إنّ المركب داخل غدا أو بعد غد ، وقد اجتهدنا في أن ندفع عنك مالا إلى هؤلاء القوم وتخرج سرّا فتصير إلى روميّة ، فتقيم بها حيث لا سبيل لهم إليك .
فقال له سقراط : قد تعلم أنّه لا يبلغ ملكي أربعمائة درهم .
قال له أفريطون : لم أقل لك هذا القول على أنّك تغرم شيئا لأنّا نعلم أنّه ليس في وسعك ما سأل القوم ، ولكن في أموالنا سعة لذلك وأضعافه ، وأنفسنا طيّبة لأدائه لنجاتك ، وأن لا نفجع بك .
قال له سقراط : يا افريطون ، هذا البلد الذي فعل بنا فيه ما فعل هو بلدي وبلد حبسي ، وقد نالني فيه ما رأيت ، ولم يوجب ذلك عليّ لأمر استحققته بل لمخالفتي الجور ولطعني على الأفعال الجائرة وأهلها من كفرهم بالباري سبحانه ، وعبادتهم الأوثان من دونه ، والحال التي أوجبت عليّ القتل هي معي حيث توجّهت ، وإنّي لا أدع نصرة الحقّ ، والطّعن على الباطل والمبطلين حيث كنت ، وأهل روميّة أبعد منّي رحما من أهل مدينتي ، وهذا الأمر إذا كان
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : كان .