باعثه على الحقّ « 1 » فحيث توجهت فغير مأمون عليّ هناك مثل الذي أنا فيه .
قال له أفريطون : فتذكر ولدك وعيالك وما تخاف عليهم من الضيعة ؟ فقال له : الّذي يلحقهم بروميّة مثل ذلك إلّا أنّكم ههنا بهم أحرى أن لا يضيعوا معكم .
فإن كان اليوم الثالث ، بكر تلامذته إليه على العادة ، وجاءهم السّجّان ففتح الباب وجاء القضاة الأحد عشر فدخلوا إليه وأقاموا مليّا ، ثم خرجوا من عنده وقد أزالوا الحديد عن رجليه ، وخرج السّجّان إلى تلامذته ، فدخل بهم إليه فسلّموا عليه وجلسوا عنده ، فنزل سقراط عن السرير وقعد على الأرض ثم كشف عن ساقيه فمسحهما وحكّهما .
وقال : ما أعجب فعل السياسة الإلهيّة حيث قربت الأضداد بعضها من بعض ، فإنّه لا يكاد أن تكون لذّة إلّا ويتبعها ألم ، ولا ألم إلّا تبعه لذّة ، وصار هذا الكلام سببا لدوران الكلام بينهم ، فسأله سيماوس وقيلون عن شيء من الأفعال النفسيّة ، وكثرت المذاكرة بينهم حتى استوعب الكلام في النفس بالقول المتقن المستقصى ، وهو على ما كان يعهد عليه في حال سروره وبهجته ومرجه في بعض المواضع ، والجماعة يتعجّبون من صرامته وشدّة استهانته بالموت ولم يكلّ عن تقصّي الحقّ في موضعه ، ولم يترك شيئا من أخلاقه ولا من أحوال نفسه التي كان عليها في زمان أمنه من الموت ، وهم من الكمد والحزن على فراقه على حال عظيمة .
فقال له سيماوس : إنّ التقصّي في السؤال عليك مع هذه الحال لثقلا علينا شديدا وقبحا « 2 » في العثرة ، فإنّ الإمساك عن التقصّي في البحث لحسرة عظيمة جدا مع ما نعلم في الأرض من وجود الفاتح لما يريد .
فقال له سقراط : لا تدع عنّا التقصّي لشيء أردته فإنّ تقصيك لذلك هو
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : ونصرة الحق .
. ( 2 ) « كذا » في « أ » ، والصواب : لثقل . . . وقبح . ( المحقّق ) .