تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وكنت ذات يوم بالمسجد وعندي جمع كثير ، فدخل شيخ رث الثياب ، نير الطلعة ، مقبول الصورة ، فهابه الجميع ، ورفعوه فوقهم ، وأخذت في إتمام كلامي . فلما تصرم المجلس ، جاءني إمام المسجد ، وقال : أتعرف هذا الشيخ ؟ . هذا " أبو القاسم الشارعى " . فاعتنقته ، وقلت : إياك أطلب . فأخذته إلى منزلي وأكلنا الطعام ، وتفاوضنا الحديث ، فوجدته كما تشتهى الأنفس ، وتلذ الأعين ، سيرته سيرة [ العلماء ] « 1 » العقلاء ، وكذا صورته قد رضى من الدنيا ببرص ، لا يتعلق منها بشئ يشغله عن طلب الفضيلة . ثم لازمنى فوجدته قيما بكتب القدماء ، وكتب " أبى نصر الفارابي " . ولم يكن لي اعتقاد في [ أحد ] « 2 » من هؤلاء ؛ لأنى كنت أظن أن الحكمة كلها حازها " ابن سينا " وحشاها كتبه . وإذا تفاوضنا الحديث ، أغلبه بقوة الجدل وفضل اللسن ، ويغلبني بقوة الحجة ، وظهور المحجة ، وأنا لا تلين قناتى لغمزه ، ولا أحيد عن جادة الهوى والتعصب برمزه . فصار يحضرني شيئا بعد شئ من كتب : " أبى نصر " ، و " الإسكندر " ، و " ثامسطيوس " ، يؤنس بذلك نفارى ، ويلين عريكة شماسى ، حتى عطفت عليه أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، وشاع أن " صلاح الدين " هادن الفرنج ، وعاد إلى القدس ، فقادت الضرورة إلى التوجه إليه . فرأيت ملكا عظيما يملأ العين روعة والقلوب محبة ، قريبا بعيدا ، سهلا مجيبا ، وأصحابه يتشبهون به ، يتسابقون إلى المعروف ، كما قال اللّه تعالى :
" وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ " *
« 3 » . وأول ليلة حضرته ، وجدت مجلسا حفلا بأهل العلم ، يتذاكرون في أصناف العلوم ، وهو يحسن الاستماع والمشاركة ، ويأخذ في كيفية بناء
هامش
( 1 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ه ، و . ( 2 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ه . ( 3 ) في و : قلوبهم .
عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 228 | ابن أبي أصيبعة / عامر النجار