فعطف " سلمويه " رأس « 1 » دابته ، وقال : انصرف بنا فليس يبيت " بشير " في الدنيا ، فسألته عن السبب ، فذكر أنه رجل مبطون ، وأن أول آفته كانت في البطن فساد « 2 » معدته ، فتطاولت أيامه في البطن بفساد المعدة إلى أن كان ذلك سببا لفساد كبده ، وإن الدماغ الذي أكله سيعلق " بمعدته " « 3 » ، ويغرى ما بين غضونها فلا يدخلها غذاء ، ولا دواء إلا زلق . وانصرفنا ولم يعده " سلمويه " ، ولا عدته ، فما بات حتى توفى .
قال " يوسف " : وصحبت بعد وفاة " إسحاق " ، " أبا دلف " « 4 » ، فصحبته ، وقد كان مبطونا قبل صحبتي إياه بخمسة عشر شهرا ، وكان مجلس " أبى دلف " مجمعا للمتطببين ؛ لأنه كان معه « 5 » من المرتزقة جماعة منهم : " يوسف ابن صليبا " ، و " سليمان بن داود بن بابان " ، و " يوسف القصير البصري " ، ولا أحفظ نسبه ، و " بولس بن حيون " « 6 » ، متطبب فلسطين ، وختن كان له من بنى « 7 » اللجلاج ، و " الحسن بن صالح بن بهله « 8 » الهندي .
وكان يحضر « 9 » مجلسه من المتطببين غير المرتزقة « 10 » جماعة ، فربما اجتمع في مجلسه منهم عشرون رجلا ، فكانوا على سبيل اختلاف في أصل علته ، فبعضهم كان يرى أن يسقيه الترياق ، وبعضهم كان يرى أن يعالجه بالأدوية التي يقع فيها الأبيون ، مثل : المثروديطوس ، وغيره ، وكلهم كان مجمعا على معالجته بالحمية وبالقىء « 11 » ، في كل بضع عشرة ليلة ؛ لأنه كان متى تقيأ صلحت « حاله » « 12 » ثلاثة أيام أو نحوها . فأقمت معه عشرة أشهر ، لا أذكر أنى تشاغلت في يوم منها ، بأمر من أمور الأعمال التي أتقلدها ، فسلمت من رسول له يستنهضنى بالمسير إليه بالنظر فيما بين المتطببين من الاختلاف . ثم أمر
هامش
( 1 ) في أ : " عنان " .
( 2 ) في أ : " فساءت " .
( 3 ) ساقط في أ .
( 4 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ .
هو أبو دلف " القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزى " ، أحد قواد " المأمون " ، و " المعتصم " ، وصاحب الكرخ وأميرها ودمشق وأعمالها ، وكانت له كثير من الحروب مع بابك الخرمى ، وكان هارون الرشيد قد ولاه على الجبل وهو ما زال غلام صغير ، وكان فارسا شجاعا ، جوادا كريما ، ممدوحا من الشعراء ، وله شعر جيد ، وكانت وفاته سنة 225 ه في بغداد . انظر في ترجمته : تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 12 / 416 ، وفيات الأعيان لابن خلكان : 4 / 73 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 10 / 563 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 ، 57 .
( 5 ) في أ ، ج ، د : " معهم " .
( 6 ) في ج : " يوسف بن حيون " .
( 7 ) ساقط من طبعة مولر .
( 8 ) في أ : " مهلة " .
( 9 ) في ج ، د : " محضر " .
( 10 ) في طبعة مولر : " المرتزقين " .
( 11 ) القئ : هو ما تقذفه المعدة المضطربة إلى الخارج لمرض أو نحوه ، ويكون عن طريق الفم ، وهو نوع من الاستفراغ ، وقد يستخدمه البعض كنوع من العلاج ، ويقترن بالقىء دائما حركة كائنة من الداخل إلى الخارج . انظر : كتاب التنوير للحسن بن نوح القمرى : 25 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 253 ، المعجم الوسيط : 2 / 799 .
( 12 ) إضافة من ج ، د .