واحتجم " المعتصم " بالقاطول يوم سبت ، وكان ذلك اليوم آخر يوم من صيام النصارى ، فحضر غذاءه " سلمويه بن بيان " ، واستأذنه في المسير إلى القادسية « 1 » ؛ ليقيم في كنيستها باقي يومه وليلته ، ويتقرب فيها يوم الأحد ، ويرجع إلى القاطول قبل وقت الغذاء من يوم الأحد ، فأذن له في ذلك ، وكساه ثيابا كثيرة ، ووهب له مسكا وبخورا كثيرا .
فخرج منكسرا مغموما ، وعزم على المسير معه إلى القادسية فأجبته إلى ذلك ، وكانت عادتنا متى تسايرنا قطع « 2 » الطريق إما بمناظرة في شئ من الآداب ، وإما بدعابة من دعابات « 3 » المتأدبين ، فلم يجارنى « 4 » شئ من البابين جميعا ، وأقبل على الفكرة ، وتحريك يده اليمنى ، وشفته تهمس من القول بما لا يعلنه ، فسبق إلى وهمى أنه رأى من أمير المؤمنين في « أمر » « 5 » نفسه شيئا أنكره ، ثم أزال « 6 » ذلك الوهم عنى إقدامه على الاستئذان في المسير إلى القادسية ، والثياب والطيب الذي جئ به .
فسألته عن سبب قراءته وفكرته ، فقال لي : سمعتك تحكى عن بعض ملوك فارس قولا في العقل ، وأنه يجب أن يكون أكثر ما في الإنسان عقله ، فأعده على وأخبرني باسم ذلك الملك .
قال له : قال أنوشروان « 7 » : إذا لم يكن أكبر ما في الرجل عقله ، كان أكثر ما فيه يرديه .
فقال : قاتله الله ، فما أحسن ما قال ، ثم قال أميرنا « هذا » « 8 » يعنى " الواثق " حفظه الله « 9 » ، لما يقرأ ويقرأ عليه من الكتب أكثر من عقله ، وأحسبه قد وقع في الذي يكره ، وأنه « 10 » أستدفع الله المكاره عنه ، وبكى . فسألته عن السبب .
فقال : أشرت على أمير المؤمنين بترك الشرب في عشية أمس ؛ ليباكر الحجامة في يومنا هذا على نقاء ، فجلس وأحضر الأمير " هارون " ، وابن أبي داود ، و " عبد الوهاب " ليتحدث معهم ، فاندفع " هارون " في عهد
هامش
( 1 ) القادسية : منطقة ومدينة بالقرب من الكوفة ببلاد العراق ، سميت بقادس هراة ، وقيل : لأن " إبراهيم " الخليل ، عليه السلام ، كان قد مر بها ، فرأى زهرتها ، ووجد بها عجوزا غسلت رأسه ، فقال لها : قدست من أرض ، فسميت القادسية ، وكان " سعد بن أبي وقاص " قد فتحها سنة 16 ه ، وسلبها من أيدي الفرس ، في عهد " عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، كما ينسب إليها جماعة من العلماء ، منهم : " علي بن أحمد القادسى القطان " . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 331 .
( 2 ) في ج ، د : " سرنا نقطع " .
( 3 ) في ج ، د : " دعابة " .
( 4 ) في أ : " يجار " .
( 5 ) ساقط في أ .
( 6 ) في أ : " زال " .
( 7 ) هو كسرى " أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن بلاش " ملك بلاد العجم وفارس ، تولى بعد وفاة والده ، وكان من ملوك فارس الأقوياء ، استطاع أن يعيد النظام إلى مملكته وافتتح العديد من البلدان والمدن الكبيرة ، منها : مدينة هرقل ، والإسكندرية ، وملك ممالك آل المنذر ، وبلاد العرب ، حتى وصل إلى فرغانة ، وبنى مدينة رومية بالقرب من المدائن على هيئة مدينة أنطاكية ، وأنزل بها السبي الذي كان يحصل عليه من حروبه الكثيرة ، كما فتح اليمن والسودان ( الحبشة ) وجعلهما تحت سيطرته ، وذلك عندما استغاث به " ابن زي يزن " ملك اليمن في محاربته بلاد الحبشة ، فأرسل إليه جيوشا قضت عليه وعلى جيوش الحبشة أيضا ، ودام ملكه 47 سنة وعدة أشهر . انظر في ترجمته :
وفيات الأعيان لابن قتيبة : 6 / 422 ، المعارف لابن قتيبة : 663 .
( 8 ) ساقط في أ .
( 9 ) لفظ الجلالة ساقط في طبعة مولر .
( 10 ) في د : " وإنما " .