ويقولون إن حنينا ( ما يدخل ) « 1 » إلى موضع من دور الخاصة والعامة إلا يهزءون به ، ويتضاحكون منه عند خروجه .
فكنت كلما سمعت شيئا من هذا ضاق به صدري ، وهممت أن اقتل نفسي من الغيظ والزرد ، وما كان لي إليهم سبيل ، إذ كان الواحد لا يستوى له مقاومة جماعة عند تظافرهم عليه .
لكني كنت أضمر وأعلم أن حسدهم هو الذي ( يدعوهم إلى ) « 2 » سائر الأشياء وإن كان لا يخفى عليهم قبحها . فإن الحسد لم يزل بين الناس على قديم الأيام ، حتى إن من يعتقد الديانة قد يعلم أن أول حاسد كان في الأرض " قابيل " في قتله لأخيه " هابيل " ، لما لم يقبل الله قربانه وقبل قربان " هابيل " . وما لم يزل قديما فليس بعجيب أن أكون أنا أيضا أحد من يؤذى بسببه .
وقد يقال : كفى بالحاسد حسده .
ويقال إن الحاسد يقتل نفسه قبل عدوه ، ولقد أكثرت العرب في ذكر الحسد في الشعر ، ونظموا فيه الأبيات منها « 3 » ، كما قال بعضهم :
( البسيط )
إن يحسدونى فإني غير لائمهم * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم * ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي يجدوني « 4 » في صدورهم * لا أرتقى صعدا منها ولا أرد
وقد قال قائل هذا ، وغيره في مثل هذا ، أكثر مما يطول ذكره مع قلة الفائدة فيه . وهذا أيضا ، مع أن أكثرهم إذا دهمهم الأمر في مرض صعب ، فإلى يصير حتى يتحقق معرفته منى ، ويأخذ عنى له صفة دوائه وتدبيره ، ويتبين الصلاح فيما أمر به أن يعمل ، لا مرة « 5 » ولا مرارا .
وهذا الذي يجيئني ويقتدى برأيي ، هو أشد الناس عداوة وغيظا على وأكثرهم لي ثلبا . وليس أزيدهم على أن أحكم رب الكل بيني وبينهم . وإنما سكوتى عنهم ، لأنهم ليس هم واحدا ولا اثنين ولا ثلاثة ، بل هم ستة وخمسون رجلا ، جملتهم من أهل المذهب ، محتاجون إلى وأنا غير محتاج إليهم . وأيضا فإن أثرتهم مع كثرتهم قوية بخدمة الخلفاء ، وهم أصحاب المملكة .
وإنما أضعف عنهم « 6 » من وجهين : أحدهما وحدتي ، والثانية أن الذين يعنون بي من الناس محتاجون إلى الأصل الذي يعنى بأعدائى ، الذي هو أمير المؤمنين ومع هذا كله لا أشكو إلى أحد ما أنا عليه ، ولو كان عظيما ، بل أبوح بشكرهم في المحافل وعند الرؤساء . فإن قيل لي إنهم يثلبونك وينقصون « 7 » بك في مجالسهم ، أدفع ذلك وأورى « 8 » أنى غير مصدق لشئ مما يقال لي .
هامش
( 1 ) في أ : " إذا ذهب " .
( 2 ) في أ : " يدور عليه " .
( 3 ) إضافة من أ ، ج .
( 4 ) في أ : " يحمدونى " .
( 5 ) في ج : " بأمره " .
( 6 ) في أ : " وأنا فأضعف عنهم " . ج : " أنا أضعف منهم " .
( 7 ) في ج : " وينقصون " .
( 8 ) في ج ، د : " وأرى " .