وقد قال أمير المؤمنين : انظر إلى هذه الصورة ما أحسنها ، وإيش تقول فيها ؟ . فقلت له : صورة مثلها يكون في الحمامات وفي البيع ، وفي المواضع المصورة ، وهذا مما لا يبالي بها ولا يلتفت إليه . فقال : وليس هي عندك شئ ؟ . قلت : لا ! . قال : فإن تكن صادقا فابصق عليها ، فبصقت ، وخرجت من عنده ، وهو يضحك ويعطعط بي ، وإنما فعلت ذلك ليرمى بها ، ولا يكثر الولع ( بنا بسببها ) « 1 » ويعيرنا دائما ، ولا سيما أن جرد أحد من ذلك ، فإن « 2 » الولع يكون أزيد .
والصواب إن دعا بك وسألك عن مثل ما سألني أن تفعل كما فعلت أنا ، فإني قد عملت على لقاء « 3 » سائر من يدخل إليه من أصحابنا ، وأتقدم إليهم أن يفعلوا مثل ذلك الفعل « 4 » .
فقبلت ما أوصاني به ، وجازت على سخريته ، وانصرف . فما كان إلا ساعة حتى جاءني رسول أمير المؤمنين فأخذني إليه . فلما دخلت عليه إذ القونة موضوعة بين يديه ، فقال : يا حنين أما ترى ما أحسن هذه الصورة وأعجبها .
فقلت والله إنها « 5 » لكما ذكر أمير المؤمنين . فقال : فإيش تقول فيها ؟ . فقلت : مثلها مصور في الحمامات ، وفي الكنائس ، وفي سائر المواضع المصورة كثيرا .
فقال : أوليس هي صورة ربكم وأمه ؟ . فقلت : معاذ الله يا أمير المؤمنين ! أن الله ، تبارك وتعالى ، بصوره « 6 » أو يصور ، ولكن هذا مثال في سائر المواضع التي فيها الصور .
فقال : فهذه إذن لا تنفع ولا تضر فقلت : هو كذلك يا أمير المؤمنين . فقال : فإن كان الأمر على ما ذكرت فابصق عليها . فبصقت عليها .
فللوقت أمر بحبسى ، ووجه إلى ثوذسيس الجاثليق ، فأحضره . فلما دخل عليه ورأى القونة موضوعة بين ( يديه وقع عليها قبل أن يدعوا له ) « 7 » فاعتنقها ، ولم يزل يقبلها ويبكى طويلا . فذهب الخدم ليمنعوه فأمر بتركه . فلما قبلها طويلا « 8 » على تلك الحالة ، أخذها بيده وقام قائما ، ودعا لأمير المؤمنين وأطنب في دعائه ، فرد عليه وأمره بالجلوس ، فجلس وترك القونة في حجره .
فقال له المتوكل : أي فعل هذا ؟ . تأخذ شيئا كان بين يدي ، وتتركه في حجرك من غير إذني ؟ . فقال الجاثليق : نعم يا أمير المؤمنين ، أنا أحق بهذه التي بين يديك ، وإن كان لأمير المؤمنين ، أطال الله بقاءه أفضل الحقوق « 9 » ، غير أن ديانتى لم تدعني أن أدع صورة ساداتي مرمية على الأرض ، وفي موضع « 10 » لا يعرف مقدارها ، بل لعله أن يعرف لها قدر ، لأن هذه حقها أن تكون في موضع يعرف فيه حقها ، ويسرج بين يديها
هامش
( 1 ) في أ : " وبها تشبيها " .
( 2 ) ساقط في أ .
( 3 ) ساقط في ب .
( 4 ) ساقط في أ ، ج .
( 5 ) في أ ، ج : " إنه " .
( 6 ) في أ : " . . . صورة " .
( 7 ) في أ : " يديه قبل أن يدعو له " . ج : ط " يديه وقع عليها أن يدعو عليها " .
( 8 ) في ج : " طويلة " .
( 9 ) ساقط في ج .
( 10 ) في ج : " مواضع " .