فقال المتوكل : لقد أحرز من طبائع الألفاظ « 1 » ، وتحديد المعاني ما فاق به نظراءه . فوجم " الطيفورى " فلما كان في غد « 2 » ذلك اليوم ، أخرج " الطيفورى " « 3 » لحنين من كمه كتابا فيه صورة المسيح مصلوبا ، وصور ناس حوله « 4 » . فقال " الطيفورى " « 5 » : يا حنين هؤلاء صلبوا المسيح ؟ . فقال : نعم . فقال : ابصق عليهم . قال حنين لا أفعل . قال الطيفورى : ولم ؟ .
قال لأنهم ليسوا الذين « 6 » صلبوا المسيح ، إنما هي صور فاشتد ذلك على الطيفورى ، ورفع « 7 » إلى " المتوكل " يسأله إباحة الحكم عليه « 8 » بديانة النصرانية . فبعث إلى " الجاثليق " ، والأساقفة وسئلوا عن ذلك ، فأوجبوا لعنة " حنين " فلعن « 9 » سبعين لعنة بحضرة الملأ « 10 » من النصارى ، وقطع زناره .
وأمر " المتوكل " ألا يصل إليه دواء من قبل " حنين " ، حتى يستشرف ( على عمله ) « 11 » " الطيفورى " وانصرف " حنين " إلى داره فمات من ليلته . ويقال « 12 » : مات غما وأسفا .
أقول : هذه حكاية " ابن جلجل " . وكذلك أيضا وجدت « 13 » " أحمد بن يوسف بن إبراهيم " ، قد « 14 » ذكر في رسالته في المكافآت ما يناسب هذه الحكاية عن " حنين " .
والأصح في ذلك ، أن " بختيشوع بن جبريل " كان يعادى " حنين بن إسحاق " ، ويحسده على علمه « 15 » وفضله ، وما هو عليه من جودة النقل ، وعلو المنزلة ، فاحتال عليه بخديعة عند " المتوكل " ، وتم مكره عليه حتى أوقع " المتوكل " به وحبسه .
ثم إن الله تعالى ، فرج عنه ، وظهر ما كان احتال به عليه " بختيشوع بن جبريل " . وصار " حنين " حظيا عند " المتوكل " ، وفضله على " بختيشوع " وعلى غيره من سائر المتطببين . ولم يزل على ذلك في أيام " المتوكل " إلى أن مرض " حنين " فيما بعد المرض الذي توفى فيه وذلك في سنة أربع وستين ومائتين .
وتبين لي جملة ما يحكى عن " حنين " من ذلك ، وصح عندي من رسالة ، وجدت بخط « 16 » " حنين بن إسحاق " ، وقد ألفها فيما أصابه من المحن والشدائد ، من الذين ناصبوه العداوة من أشرار أطباء زمانه المشهورين .
هامش
( 1 ) في أ ، ج ، د : " الألفا " .
( 2 ) إضافة من طبعة مولر .
( 3 ) في أ ، ج ، د : " حنين " .
( 4 ) في ج ، د : " صورا ما بين حواليه " .
( 5 ) في ك : " له " .
( 6 ) كل النسخ : " الذي " ، والتصحيح من طبعة مولر .
( 7 ) في أ : " ورجع " .
( 8 ) ساقط في ك .
( 9 ) في أ : " فألعن " .
( 10 ) في ج ، د : " الملما " .
( 11 ) في ج ، د : " عليه " .
( 12 ) في ج ، د : " فقال " .
( 13 ) ساقط في أ .
( 14 ) في ج ، د : " قال قد " .
( 15 ) في أ ، ج ، د : " عمله " .
( 16 ) ساقط في طبعة مولر .