وقال " أبو أحمد بن الطيب السرخسي " في كتاب اللهو والملاهي ، قال " حنين " المتطبب : وافانى في بعض الليالي « 1 » أيام " لمتوكل " ، رسل من دار الخليفة ، يطلبونى ويقولون الخليفة يريدك .
ثم وافت بعدهم طائفة ، ثم وافانى " زرافة " « 2 » فأخرجني من فراشي ، ومضى بي ركضا ، أدخلني إلى دار الخليفة ، فقال : يا سيدي ، هو ذا " حنين " . فقال : ادفعوا إلى " زرافة " ما ضمنا له . قال : فدفع إليه ثلاثون ألف درهم . ثم أقبل على ، فقال : إنما أنا جائع فما ترى في العشاء ؟ . فقلت « 3 » له قولا في ذلك .
فلما فرغ من أكله سألت عن الخبر ، فقيل لي : إن مغنيا غناه صوتا ، فسأله لمن هو ؟ . فقال لحنين بن بلوع العبادي . فأمر " زرافة " بإحضار " حنين ابن بلوع العبادي " . فقال له : يا أمير المؤمنين لا أعرفه . فقال : لا بد منه ، وإن أحضرته فلك ثلاثون ألف درهم . قال : فأحضرنى ، ونسي " المتوكل " السبب ، بما كان في رأسه من النبيذ . وحضرت وقد جاع ، فأشرت عليه بأن يقطع النبيذ ويتعشى وينام ، ففعل .
أقول : وكان مولد " حنين " في سنة مائة وأربعة وتسعين للهجرة . وتوفى في زمان " المعتمد على الله " « 4 » ، وذلك في يوم الثلاثاء أول كانون الأول من سنة ألف ومائة وثمان وثمانين للإسكندر ، وهو لست خلون من صفر سنة مائتين وأربعة وستين للهجرة . وكانت مدة حياته سبعين سنة وقيل : إنه مات بالذرب « 5 » .
وقال " سليمان بن حسان " ، المعروف بابن جلجل : إن " حنين بن إسحاق " مات بالغم من ليلته في أيام المتوكل .
قال : حدثني بذلك وزير أمير المؤمنين ، ( الحكم المستنصر بالله ) « 6 » ، قال : كنت مع أمير المؤمنين " المستنصر " فجرى الحديث ، فقال : أتعلمون كيف كان موت " حنين بن إسحاق " ؟ . قلنا : لا يا أمير المؤمنين . قال :
خرج " المتوكل " على الله " يوما وبه خمار ، وقعد في مقعده « 7 » فأخذته الشمس ، وكان بين يديه " الطيفورى " النصراني الطبيب ، و " حنين بن إسحاق " ، فقال : " الطيفورى " : يا أمير المؤمنين الشمس تضر بالخمار .
فقال " المتوكل " لحنين : ما عندك فيما قال ؟ . فقال " حنين " : يا أمير المؤمنين الشمس لا تضر بالخمار .
فلما تناقضا بين يديه ، طلب كشفهما عن صحة أحد القولين . فقال حنين : يا أمير المؤمنين « 8 » الخمار حال للمخمور ، والشمس لا تضر بالخمار إنما تضر بالمخمور .
هامش
( 1 ) ساقط في ج ، د .
( 2 ) زرافة خادم أمير المؤمنين المتوكل على الله . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 412 .
( 3 ) في ج ، د : " فقال " .
( 4 ) هو أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد ، أمير المؤمنين المعتمد على الله ، ولد سنة 229 ه ، وبويع بالخلافة في شهر رجب سنة 256 ه ، وفي عصره اشتدت ثورة الزنج على المسلمين ، كما هجم الروم على ديار ربيعة ، وقتلوا المسلمين ، وكانت وفاته في شهر رجب سنة 279 ه . انظر في ترجمته : الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 6 / 292 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 12 / 540 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 173 .
( 5 ) في ك : " الذرق " .
الذرب : مرض يعرض للمعدة فلا تهضم ما بها من طعام ، ويفسد فيها ولا تمسكه ، أو هو استطلاق البطن ، وقيل : هو ورم يكون في عنق الإنسان أو الدابة مثل الحصاة . انظر : كتاب التنوير للحسن بن نوح القمرى : 25 ، المعجم الوسيط : 1 / 321 .
( 6 ) في ك : " الحاكم بالله " .
( 7 ) في ك : " مقعدته " .
( 8 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ .