فقال الخليفة : فإنني أقتلك . قال حنين : لي رب يأخذ بحقي غدا في الموقف الأعظم ، فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه ، فليفعل .
فتبسم الخليفة ، وقال : يا حنين طب نفسا ، وثق إلينا . فهذا الفعل كان منا لامتحانك ؛ لأنا « 1 » حذرنا من كيد الملوك ، وأعجبنا بك ، فأردنا الطمأنينة إليك ، والثقة بك ؛ لننتفع بعلمك .
فقبل " حنين " الأرض ، وشكر له . فقال له الخليفة : يا حنين ، ما الذي منعك من الإجابة ، مع ما رأيته من صدق عزيمتنا في الحالين ؟ . فقال حنين : شيئان يا أمير المؤمنين . قال : وما هما ؟ قال : الدين ، والصناعة .
قال : كيف ؟ قال : الدين يأمرنا « 2 » بفعل « 3 » الخير ، والجميل مع أعدائنا ، فكيف أصحابنا وأصدقائنا ؟ .
ويبعد ويحرم من لم يكن كذا . والصناعة تمنعنا من الإضرار بأبناء « 4 » الجنس ، لأنها موضوعة لنفعهم « 5 » ، ومقصورة على مصالحهم .
ومع هذا فقد جعل الله ، تعالى ، في رقاب الأطباء عهدا مؤكدا بأيمان مغلظة ، أن لا يعطوا دواء قتالا ، ولا ما يؤذى . فلم أر أن أخالف هذين الأمرين من الشريعة ، ووطنت نفسي على القتل فإن الله ، تعالى ، ما كان يضيع من بذل نفسه في طاعته وكان يثيبنى . فقال الخليفة : إنهما لشريعتان جليلتان . وأمر بالخلع ، فخلعت « 6 » عليه ، وحمل المال بين يديه ، وخرج من عنده وهو أحسن الناس حالا وجاها .
أقول : وكان لحنين ولدان : " داود " ، و " إسحاق " ، صنف لهما كتبا طبية ( في المبادئ للتعليم ) « 7 » ، ونقل لهما كتبا كثيرة من كتب " جالينوس " .
فأما " داود " ، فإني لم أجد له شهرة بنفسه بين الأطباء ، ولا يوجد له من الكتب أبدا ما يدل على براعته وعلمه . وإن كان الذي يوجد له إنما هو « 8 » كناش واحد .
وأما " إسحاق " ، فإنه اشتهر وتميز في صناعة الطب ، وله تصانيف كثيرة . ونقل " إسحاق " من الكتب اليونانية إلى اللغة العربية كتبا كثيرة ، إلا أن « 9 » جل عنايته كانت مصروفة إلى نقل الكتب الحكمية ، مثل :
" أرسطوطاليس " ، وغيره من الحكماء .
وأما " حنين " أبوه ، فكان ملتهما « 10 » بنقل الكتب الطبية ، وخصوصا كتب " جالينوس " ، حتى إنه في غالب الأمر ، لا يوجد شئ من كتب " جالينوس " إلا وهي بنقل " حنين " ( أو بإصلاحه لما نقل غيره ) « 11 » فإن رؤى شيئا منها .
هامش
( 1 ) في ج ، د : " لأن نأخذ " .
( 2 ) ساقط في أ ، ج ، د .
( 3 ) في ج ، د : " يفعلون " .
( 4 ) في ج ، د : " لأبناء " .
( 5 ) في د : " لنفهم " .
( 6 ) في ج ، د : " فخلع " .
( 7 ) في ك : " للتعليم في المبادئ " .
( 8 ) ساقط في ج ، د .
( 9 ) في ج ، د : " إلى " .
( 10 ) في أ : " مهتما " .
( 11 ) في أ : " وإصلاحه لما نقل عنه شيئا " .