قال : وكان ذلك في أيام " سيف الدولة بن « 1 » حمدان " ، وزعم أن البيت على ثلاثة أيام « 2 » من القسطنطينية ، والمجاورون لذلك البيت قوم من الصائبة ، والكلدانيين « 3 » ، وقد أقرتهم الروم على مذاهبهم ، وتأخذ منهم الجزية .
أقول : وكان كاتب " حنين " رجلا « 4 » يعرف بالأزرق ، وقد رأيت أشياء كثيرة من كتب " جالينوس " ، وغيره بخطه ، وبعضها عليه تنكيت بخط " حنين بن إسحاق " « 5 » باليونانى ، وعلى تلك الكتب علامة " المأمون " .
وقال " عبيد الله بن جبريل بن بختيشوع " في كتاب « 6 » مناقب الأطباء : أن " حنينا " لما قوى أمره ، وانتشر ذكره بين الأطباء ، واتصل خبره بالخليفة ، أمر بإحضاره .
فلما حضر أقطع إقطاعات حسنة ، وقرر له جار جيد ، وكان يشعره بزبور الروم . وكان الخليفة يسمع بعلمه ، ولا يأخذ بقوله دواء يصفه ، حتى يشاور فيه غيره .
وأحب امتحانه حتى يزول ما في نفسه عليه ، ظنا منه أن ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحلية به « 7 » ، فاستدعاه يوما ، وأمر أن يخلع عليه ، وأحضر توقيعا « 8 » يشتمل على خمسين ألف درهم ، فشكر له حنين « 9 » هذا الفعل .
ثم قال بعد أشياء جرت : أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله ، ولم يمكن اشتهاره ، ونريده سرّا .
فقال حنين : يا أمير المؤمنين ، إنّي لم أتعلم إلا الأدوية النافعة ، وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب منى غيرها ، فإن أحب أن أمضى وأتعلم ، فعلت ذلك .
فقال : هذا شئ يطول . ورغبه وهدده ، وهو لا يزيد على ما قاله ، إلى أن أمر بحبسه في بعض القلاع ، ووكل به من يوصل خبره إليه ، وقتا بوقت ، ويوما بيوم .
فمكث سنة في حبسه ، دأبه النقل ، والتفسير ، والتصنيف ، وهو غير مكترث بما هو فيه . فلما كان بعد سنة ، أمر الخليفة بإحضاره ، وإحضار مال « 10 » يرغبه ، وأحضر « 11 » سيفا ونطعا وسائر آلات العقوبات .
فلما حضر ، قال : هذا شئ قد كان ، ولا بد مما قلته لك ، فإن أنت فعلت ، فقد فزت بهذا المال ، وكان لك عندي أضعافه ، وإن امتنعت قابلتك بشر مقابله ، وقتلتك شر قتلة .
فقال " حنين " : قد قلت لأمير المؤمنين ، أنى لم أحسن إلا الشئ النافع ، ولم أتعلم غيره .
هامش
( 1 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ .
( 2 ) في ج ، د : " أميال " .
( 3 ) الكلدانيون : سكان كلدانيا الواقعة في القسم الجنوبي الأقصى من وادى دجلة والفرات ، وهو اسم كان يطلق عليهم قديما . وكان ملكهم يتسع أحيانا ليشمل بابل ، وهم الذين اخترعوا الكتابة المسمارية التي كانت تكتب بالقلم المسمارى . انظر : طبقات الأمم لصاعد بن أحمد الأندلسي : 6 .
( 4 ) في ج ، د : " ابن خلا " .
( 5 ) في ج ، د : " إسحاق بن حنى " .
( 6 ) ساقط في ج ، د .
( 7 ) ساقط في أ ، ج ، د .
( 8 ) في طبعة مولر : " توقيعا من إقطاع " .
( 9 ) ساقط في أ ، ج ، د .
( 10 ) في أ : " ما " .
( 11 ) في أ ، ج ، د : " وإحضار " .