ولما رأى " المأمون " المنام الذي أخبر به ، أنه رأى في منامه ، وكأن شيخا بهى الشكل ، جالس على منبر ، وهو يخطب ، ويقول : أنا " أرسطوطاليس " . انتبه من منامه ، وسأل « 1 » عن " أرسطوطاليس " ، فقيل له : رجل حكيم من اليونانيين .
فأحضر « 2 » " ابن إسحاق " ، إذ لم يجد من يضاهيه في نقله ، وسأله نقل كتب الحكماء اليونانيين « 3 » إلى اللغة العربية ، وبذل له من الأموال والعطايا شيئا كثيرا .
ونقلت من خط " الحسين « 4 » بن عباس " ، المعروف بالصناديقى ، رحمه الله ، قال : قال " أبو سليمان " ، سمعت " يحيى بن عدي " « 5 » يقول : قال " المأمون " : رأيت فيما يرى النائم ، كان رجلا على كرسي جالسا في المجلس الذي أجلس فيه ، فتعاظمته وتهيبته ، وسألت عنه ، فقيل هو « 6 » " أرسطوطاليس " .
فقلت أسأله عن شئ ، فسألته ، فقلت : ما الحسن ؟ فقال : ما استحسنته العقول . فقلت : ثم ما ذا ؟ قال : ما استحسنته الشريعة . فقلت : ثم ما ذا ؟ . قال : ما استحسنه الجمهور . قلت « 7 » : ثم ما ذا ؟ . قال : ثم لا ثم .
فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب . فلأن " المأمون " كان بينه وبين ملك الروم مراسلات ، وقد استظهر عليه « 8 » " المأمون " فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلد الروم .
فأجاب إلى ذلك بعد الامتناع . فأخرج " المأمون " لذلك جماعة ، منهم : " الحجاج بن مطر " « 9 » ، و " ابن البطريق " وسلما صاحب بيت الحكمة « 10 » وغيرهم . وأخذوا مما وجدوا ما اختاروا فلما حملوا إليه أمرهم بنقله فنقل .
وقد قيل : إن " يوحنا بن ماسويه " ممن نفذ إلى بلد الروم . وأحضر " المأمون " أيضا " حنين بن إسحاق " ، وكان فتى السن ، وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين إلى العربي ، وإصلاح ما ينقله غيره ،
هامش
( 1 ) في أ : " وسأله " .
( 2 ) في ج ، د : " فأخبر " .
( 3 ) في أ ، ج ، د : " اليونانية " .
( 4 ) في طبعة مولر : " الحسن " .
( 5 ) هو أبو زكريا " يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي " أحد كبار الفلاسفة والحكماء وعالم من علماء المنطق ، ولد في تكريت سنة 280 ه ، وسكن بغداد ، وتوفى بها يوم الخميس 13 من شهر ذي الحجة سنة 364 ه وله كثير من الكتب ، منها : رسالة في تحليل القياسات ، ورسالة فيما تحقق من اعتقاد الحكماء . انظر في ترجمته : الفهرست للنديم : 534 ، إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 237 ، تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي : 97 ، تاريخ الحكماء للشهرزورى : 413 .
( 6 ) في ج ، د : " هذا " .
( 7 ) في أ : " قال " .
( 8 ) ما بين الخاصرتين ساقط في ج ، د .
( 9 ) في أ : " المطران " .
( 10 ) بيت الحكمة : مؤسسة علمية أنشأها أمير المؤمنين " هارون الرشيد " في مدينة بغداد ورعاها الوزراء والخلفاء بعد وفاته ، وكانت أزهر أوقاتها في عهد أمير المؤمنين " المأمون " ، حيث نشطت الترجمة لنقل العلوم اليونانية ، والفارسية ، والقبطية ، والآرامية إلى اللغة العربية . وكانت مكتبة بيت الحكمة في عهد " المأمون " بمثابة مركزا علميا شمل كثيرا من العلوم في الطب ، والفلسفة ، والحكمة ، وغيرها من مختلف العلوم ، وكان " المأمون " يعين العلماء والحكماء من يدير بيت الحكمة ، وكان من أشهر هؤلاء : " محمد بن موسى الخوارزمي " ، و " يوحنا بن ماسويه " ، و " ابن البطريق " ، و " ثابت بن قرة " ، و " حنين بن إسحاق " ، وغيرهم . انظر : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 1 / 305 .