وكان حنين بن إسحاق فصيحا ، لسنا ، بارعا ، شاعرا ، وأقام مدة في البصرة ، وكان شيخه في العربية " الخليل بن أحمد " ثم بعد ذلك انتقل إلى بغداد . واشتغل بصناعة الطب « 1 » .
قال " يوسف بن إبراهيم " : أول ما حصل لحنين بن إسحاق من الاجتهاد ، والعناية في صناعة الطب ، هو أن مجلس " يوحنا بن ماسويه " كان من أعم مجلس يكون في التصدي لتعليم صناعة الطب ، وكان يجتمع فيه أصناف أهل الأدب .
قال " يوسف " : وذلك أنى كنت أعهد " حنين بن إسحاق " الترجمان ، يقرأ على " يوحنا بن ماسويه " ، كتاب فرق الطب الموسوم باللسان الرومي والسرياني بهراسير « 2 » .
وكان " حنين " إذ ذاك صاحب سؤال ، وذلك يصعب « 3 » على " يوحنا " وكان يباعده أيضا من قبل « 4 » أن " حنينا " كان من أبناء الصيارفة من أهل الحيرة ، وأهل جنديسابور خاصة ، ومتطببوها ينحرفون « 5 » عن أهل الحيرة ، ويكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار .
فسأله " حنين " في بعض الأيام عن بعض ما كان يقرأ عليه « 6 » ، مسألة مستفهم لما يقرأ ، فجرد " يوحنا " ، وقال : ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب ؟ ! سر إلى فلان قرابتك يعطى « 7 » لك خمسين درهما ، تشترى بها قفافا صغارا بدرهم ، وزرنيخا « 8 » بثلاثة دراهم ، واشتر بالباقي فلوسا « 9 » كوفية وقادسية ، وزرنيخ القادسية في تلك القفاف ، واقعد على الطريق ، وصح الفلوس الجيدة للصدقة والنفقة ، وبع الفلوس فإنه ( أعون إليك ) « 10 » من هذه الصناعة . ثم أمر به فأخرج من داره ، فخرج حنين باكيا مكروبا . وغاب عنا " حنين " ولم نره « 11 » سنتين .
وكان للرشيد جارية رومية يقال لها " خرشى " وكانت ذات قدر عنده ، محلها منه « 12 » محل الخوازن ، وكانت لها « 13 » أخت ، أو بنت أخت ، ربما أتت " الرشيد " بالكسوة أو بالشئ مما " خرشى " جارية عليه .
هامش
( 1 ) ما بين الخاصرتين إضافة من طبعة مولر .
( 2 ) في ج ، د : " بهراشير " .
( 3 ) في ج ، د : " يصب " .
( 4 ) في أ ، ج ، د : " قلبه " .
( 5 ) في ج ، د : " ينحرف " ، ك : " ينصرفون " .
( 6 ) في ج ، د : " إليه " .
( 7 ) في أ ، ج ، د : " يهب " .
( 8 ) الزرنيخ : عنصر شبيه بالفلزات ، له بريق الصلب ولونه ، ومركباته سامه ، يستخدم في قتل الحشرات ، كما يستخدم بوضع الشحم معه في علاج الجراحات ، وطبعه حار يابس . انظر : المعجم الوسيط : 1 / 407 ، الأدوية المفردة لابن سينا : 64 .
( 9 ) في طبعة مولر : " قلوسا " ، وهي الحبال للسفن .
( 10 ) في أ : " أعود عليك " .
( 11 ) في ج ، د : " فلم يره " .
( 12 ) في ج ، د : " عنده " .
( 13 ) في أ : " له " .