وافتقدها " الرشيد " في بعض الأوقات ، وسأل " خرشى " عنها ، فأعلمته أنها زوجتها « 1 » من قرابة لها ، فغضب من ذلك ، وقال : كيف أقدمت على تزويج قرابة لك ، أصل ابتياعك إياها من مالي فهي مال من مالي « 2 » بغير إذني .
وأمر سلاما الأبرش تعرف أمر من تزوجها وبتأديبه . فتعرف " سلام " الخبر ، حتى وقع على الزوج ، فلم يكلمه حتى ظفر به فخصاه . فبلى بالخصاء بعد أن علقت الجارية منه ، وولدت الجارية عند مخرج " الرشيد " إلى طوس .
وكانت وفاة " الرشيد " بعد ذلك ، فربت « 3 » " خرشى " ذلك الغلام ، وأدبته بآداب الروم وقراءة كتبهم . فتعلم اللسان اليوناني علما « 4 » كانت له فيه رئاسة ، وهو " إسحاق " المعروف بابن الخصي ، فكنا نجتمع في مجالس أهل الأدب كثيرا ، فوجب لذلك حقه وذمامه .
واعتل " إسحاق بن الخصي " علة ، فاتيته عائدا ، فإني « 5 » لفى منزلة ، إذ بصرت بإنسان له شعر « 6 » ، وقد جللته وستر وجهه عنى ببعضها ، وهو يتردد وينشد شعرا بالرومية لأوميرس « 7 » رئيس شعراء الروم .
فشبهت نغمته نغمة " حنين " ، وكان العهد بحنين قبل ذلك الوقت بأكثر من سنتين .
فقلت لإسحاق بن الخصي : هذا " حنين " ، فأنكر ذلك إنكارا يشبه الإقرار فهتفت « 8 » بحنين فاستجاب لي ، وقال ذكر ابن « 9 » " رسالة " الفاعلة ، أنه من المحال أن يتعلم الطب عبادي ، وهو برئ من دين النصرانية ، أنه رضى أن يتعلم صناعة الطب حتى يحكم اللسان اليوناني إحكاما لا يكون في دهره من يحكمه إحكامه .
وما اطلع على أحد غير أخي هذا ، ولو علمت أنك تفهمنى لاستترت عنك ، لكني « 10 » عملت على أن حليتى « 11 » قد تغيرت في عينك ، وأنا أسألك أن تستر أمرى .
فبقيت أكثر من ثلاث سنين وإنّي لأظنها أربعا ، لم أره . ثم إنّي دخلت يوما على " جبريل بن بختيشوع " ، وقد انحدر من معسكر « 12 » " المأمون " قبل وفاته بمدة يسيرة ، فوجدت عنده " حنينا " ، وقد ترجم له أقساما ، قسمها بعض الروم في كتاب من كتب " جالينوس " في التشريح ، وهو يخاطبه بالتبجيل ، ويقول له : يا ابن حنين ، وتفسير ابن المعلم . فأعظمت ما رأيت . وتبين ذلك " جبريل " في فقال : لا تستكثرن ما ترى من تبجيل
هامش
( 1 ) في أ ، ج ، د : " زوجته " .
( 2 ) ساقط في أ .
( 3 ) في طبعة مولر : " فتبنت " .
( 4 ) في ج ، د : " على ما " .
( 5 ) في ج ، د : " فأنا " .
( 6 ) في طبعة مولر : " شعرة " .
( 7 ) أوميروس : كان شاعر الروم ، عارفا بأنواع المنطق ، وكان من أكثر الشعراء تأثيرا في الأدب الغربى على مختلف العصور ، وكان باعث النهضة الحديثة في شعراء اليونان . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 49 ، تاريخ الحكماء للشهرزورى : 403 .
( 8 ) في أ : " فاعتنفت " .
( 9 ) في ج ، د : " ذكر أنى " .
( 10 ) في ج ، د : " لكي " .
( 11 ) في طبعة مولر : " حيلتي " .
( 12 ) في ج ، د : " عسكر " .