فكان لا يشرب الأدوية إلا مما تولى تركيبه وإصلاحه . وكنت أرى جميع المتطببين بمدينة السلام يبجلونه تبجيلا لم يكونوا يظهرونه لغيره .
قال " يوسف " : وحضر في النصف من شوال سنة عشرين ومائتين دار " إبراهيم بن المهدى " مع جماعة من وجوه المتطببين ، وكانت " شكلة " عليلة ، فوجه " المعتصم " المتطببين إليها ليرجعوا إليه بخبرها ، وقد كانوا صاروا إليها قبل ذلك اليوم بيوم ، فنظروا إلى مائها وجسوا عرقها « 1 » ، وعاودوا النظر في اليوم الثاني في أمرها .
فقالوا كلهم : إنها « 2 » أصبحت صالحة ، وأنهم لا يشكون في إفراقها . فسبق إلى وهمى أنهم أو أكثرهم أحب إن يسر " أبا إسحاق " بما ذكروا من العافية .
فلما نهضوا أتبعتهم ، فسألت واحدا واحدا عما عنده من العلم بحالها ، فكلهم قال لي : مثل مقالته لأبى إسحاق إلا " سلمويه بن بيان " ، فإنه قال لي : اليوم هي أصعب حالا منها أمس « 3 » .
وقال لي " ميخائيل " : قد ظهر أمس بالقرب من قلبها ورم ، لم نره في يومنا هذا ، أفترى ذلك الورم ساخ في الأرض ، أو ارتفع في السماء انصرف ، فأعد لهذه المرأة جهازها ، فليست تبيت في الأحياء . فتوفيت وقت صلاة العشاء الأخيرة ، بعد ما ألقى إلى " ميخائيل " ما ألقى ساعات عشرا ، أو نحوها .
قال يوسف : وحدثني " ميخائيل بن ماسويه " : أنه لما قدم " المأمون " بغداد ، نادم " طاهر بن الحسين " ، فقال له يوما ، وبين أيديهم نبيذ قطربلى « 4 » : يا أبا الطيب ، هل رأيت مثل هذا الشراب ؟ فقال : نعم ! قال : مثله في اللون والطعم والرائحة ؟ قال : نعم ! ؟ . قال : أين ؟ . قال : ببوشنج . قال : فاحمل إلينا منه .
فكتب " طاهر " إلى وكيله ، فحمل منه . ورفع الخبر من النهروان « 5 » إلى " المأمون " أن لطفا وافا " طاهر " بن بوشينج . فعلم الخبر « 6 » ، وتوقع حمل " طاهر " له ، فلم يفعل .
فقال له " المأمون " بعد أيام : يا أبا الطيب ، لم يواف النبيذ فيما وافى . فقال طاهر « 7 » : أعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يقيمنى مقام خزى وفضيحة .
قال : ولم ؟ قال : ذكرت لأمير المؤمنين شرابا ، شربته وأنا صعلوك ، وفي قرية كنت أتمنى أن أملكها ، فلما ملكنى الله إياها « 8 » يا أمير المؤمنين أكثر مما كنت أتمنى ، وحضر ذلك الشراب ، وجدته فضيحة من الفضائح .
هامش
( 1 ) في أ : " عروقها " .
( 2 ) إضافة من ج ، د .
( 3 ) في ج ، د : " مما كان بالأمس " .
( 4 ) في ج ، د : " قطرطى " .
( 5 ) النهروان : كورة كبيرة بين بغداد وواسط ، من الجانب الشرقي ، متصلة ببغداد من حدها الأعلى ، وينسب إليها من العلماء : " المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد النهراونى " ، و " أبو حكيم إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد بن إبراهيم النهرواني البغدادي " ، وغيرهم انظر في ترجمته : معجم البلدان لياقوت الحموي : 5 / 375 ، معجم ما استعجم للبكرى : 2 / 1336 .
( 6 ) ما بين الخاصرتين ساقط في ج ، د .
( 7 ) إضافة من ج ، د .
( 8 ) ساقط في أ .