بالناس وصليت خلفه ، فلما فرغ من صلاته تأملته فإذا هو قد مشى في المسجد إلى قوم أعلّاء في ناحية منه فعادهم وتفقد أحوالهم بنفسه ، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه فغير شيئا أنكره ووعظ قوما وزجرهم عن بعض المناكير ، ثم عاد إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه من داره للناس فتقدمت إليه وسلمت فرحب بي وأجلسني وسألني عن حالي ومقدمي ، فعرفته أني تاجر وأني وردت ذلك المكان تبركا بالنظر إليه ، وعرف أني من أهل العلم فأنس بي وكان يكرمني إذا دخلت إليه إلى أن قيل لي في يوم من الأيام : إنّ غدا يوم المظالم وإنه يقعد فيه للنظر بين الناس ، فحضرت غداة هذا اليوم فشاهدت هيبة عظيمة ، ورأيت الأمراء والقواد والرجالة وقوفا بين يديه على مراتبهم وهو ينظر في القصص ويسمع الظلامات ، ويفصل الأمور ، فكأني شاهدت رجلا غير من كنت شاهدته وبهرتني هيبته ، فادعى رجل على رجل حقا ، وأنكره المدعى عليه ، وسأله البينة فأتى بها فحلف الشهود فعجبت من ذلك ، فلما تفرق الناس دنوت منه ، فقلت : أيها الإمام رأيتك حلفت الشهود ! فقال : هذا رأيي ، أنا أرى تحليف الشهود احتياطا عند بعض التهمة ، وما ينكر من هذا ؟ هذا قول طاوس من التابعين وقد قال الله تعالى :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما
[ المائدة : 107 ] . قال : فاستفدت في تلك الحال منه مذهبه ، وقول من قال به من التابعين والدلالة عليه ، ولم أكن عرفت شيئا منه قبل ذلك .
وأنفذ إلي يوما من الأيام يقول : إن كان في مالك لله « 1 » حق زكاة فأخرجه إلينا ، فقلت : سمعا وطاعة من لي بأن أخرج زكاتي إليه وحسبت حسابي فإذا علي من الزكاة عشرة دنانير فأنفذتها إليه ، فلما كان بعد يومين « 2 » بعث إلي
هامش
( 1 ) في ( أ ) لا توجد : ( لله ) .
( 2 ) في ( أ ) : يوم .