فاستدعاني وإذا هو يوم العطاء ، ( قد جلس لذلك ) « 1 » والمال يوزن ويخرج إلى الناس ، فقال : أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى المستحقين ، فقمت وقلت :
الله الله أيها الإمام كأني أرتاب بشيء من فعلك ، فتبسم وقال : ما ذهبت إلى ما ظننت ولكن أردت أن تشهد إخراج زكاتك . وقلت له يوما من الأيام : رأيتك أيها الإمام أول ما رأيتك وأنت تطوف على المرضى في المسجد تعودهم وتمشي في السوق ، فقال : هكذا كان آبائي ، كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، وأنت إنّما عهدت الجبابرة والظلمة .
وكانت له عليه السّلام مواقف مشهورة في الجهاد في سبيل الله عز وجل ، فمن ذلك ما رواه مصنف سيرته « 2 » : أنه كان في بعض أيامه مع بني الحارث ، فانتقوا من خيلهم ما يدنو من أربعين فارسا مدججة في السلاح ، وأمروهم أن لا يقاتلوا وأن يقفوا حتى إذا رأوا الهادي عليه السّلام حملوا عليه ، فوقفوا ، وبلغ إلى الهادي عليه السّلام خبرهم فلم يعبأ بهم ، ولما رآهم حمل عليهم بنفسه فما وقف له منهم فارس واحد ، فأدرك منهم فارسا واحدا فطعنه وألقاه وفرسه في أراكة ، وانهزم القوم وعطف عسكره وقتل منهم عليه السّلام بيده جماعات كثيرة لم يثبت عددها هو ولا غيره ، غير أنه كسر ثلاثة رماح ، وضرب بسيفه حتى امتلأ قائم سيفه علقا ، ولصقت أنامله على قائم سيفه بالدم ، وفي ذلك يقول عليه السّلام :
طرقت لعمرك زاهر مولاها * والحرب مسعرة يشب لظاها
طرقت تبختر في الحلي وفي الكسا * إن الخريدة همها وهواها
تكسو مناكب زانها أعجازها * عند التعانق حلة ورداها
أقنى حياك فحلتي يوم الوغا * درع أعانق جيبها وعراها
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ما بين القوسين ساقط .
( 2 ) سيرة الهادي 169 - 170 .