أتعبتها الأسفار ، وعرفتها البراري والقفار ، حقوقهم مصروفة إلى القيان والخدم والخصيان ، قد اتخذوا ملابسهم من وشي اليمن ، ومجالسهم من صنع الأرمن ، وصيّروا دين الله لهوا ولعبا ، والتمرد على أوليائه طريقة ومذهبا ، لا يألونهم خبالا ، ولا يزيدونهم إلا ختالا ، وكل من قام من هذه العترة الطاهرة للانتقام والانتصار والاقتصاص والإيثار رموه بالدواهي ، وأخذوا عليه المرامي ، وسددوا إلى مقاتله ، واجتهدوا في نصب حبائله .
فانظروا رحمكم الله كيف صلب زيد بن علي عليهما السلام بالكناسة ، وقطع رأس يحيى بن زيد في المعركة ، وخنق عبد الله بن الحسن بن الحسن في حبس الدوانيقي ، وقتل ابنه محمد وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العباسي ، وهزم إدريس بن عبد الله بفخ حتى وقع إلى الأندلس فريدا ، ومات عيسى بن زيد ببلد الهند طريدا شريدا ، وقتل يحيى بن عبد الله بعد الأمان والأيمان ، وبعد ما كتب له العهد والضمان ، هذا غير ما فعل بسادة طبرستان ، وقتل محمد بن زيد والحسن بن القاسم الداعي على يد آل سامان ، وغير ما فعل أبو الساج « 1 » بسادة المدينة حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامرّاء ، وبحسبكم أنه ليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها لقتيل طالبي تربة .
ثم قال عليه السّلام بعد ذلك : لم يخلق دار الدنيا للإخلاد إليها ، ولا للاعتماد عليها ، والاغترار بفواني رغائبها ، وعواري مواهبها ، ومقتضى لذتها ، ومبهج جدّتها ، وخلب بارقها ، ومظلم شارقها ، ومتقلص ظلها ، ومجدب قلها ، وأجاج موردها ، ومنثنى مرقدها ، ومستحيل بهائها ، ومتغير روائها ، بل جعلت لعمل الأخرى ، وتمهيد مقر العقبى .
واعلموا معاشر الناس ، أنّ الله تعالى لم يترككم سدى هوامى تترددون بغير راع ، ولا نفشا تسرحون بلا محام ولا مراع ، ولكن من لطفه الخفي ، وصنعه
هامش
( 1 ) في « أ » السباج .