سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني بأصبهان ، قال : كان الحافظ بأصبهان يصطف الناس في السوق فينظرون إليه .
وسمعته يقول : لو أقام الحافظ بأصبهان مدة ، وأراد أن يملكها لملكها ، يعني من حبهم له ، ورغبتهم فيه ، ولما وصل إلى مصر أخيرا كنا بها ، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق ، يتبركون به ، ويجتمعون حوله .
قال : كان رحمه اللّه ، ليس بالأبيض الأمهق ، بل يميل إلى السمرة ، حسن الشعر ، كث اللحية ، واسع الجبين ، عظيم الخلق ، تام القامة ، كأن النور يخرج من وجهه ، فكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة ، وكان حسن الخلق ، رأيته ، وقد ضاق صدر بعض أصحابه في مجلسه وغضب ، فجاء إلى بيته وترضاه وطيب قلبه .
وكنا يوما عنده نكتب الحديث ونحن جماعة أحداث ، فضحكنا من شيء وطال الضحك ، فرأيته يتبسم معنا ، ولا يحرد علينا . وكان سخيا جوادا كريما ، لا يدّخر دينارا ولا درهما ، ومهما حصل له أخرجه ، ولقد سمعت عنه أنه كان يخرج في بعض الليالي بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين فيدق عليهم فإذا علم أنهم يفتحون الباب ترك ما معه ومضى لئلا يعرفه أحد .
وقد كان يفتح له بشيء من الثياب والبرد فيعطي الناس ، وربما كان عليه ثوب مرقع . وقد أوفى غير مرة سرا ما يكون على بعض أصحابه من الدّين ولا يعلمهم بالوفاء .
قال الشيخ الموفق عنه : كان جوادا ، يؤثر بما تصل إليه يده سرا وعلانية .
وسمعت أبا الثناء محمود بن همام يحكي عن رجل كان بمسجد الوزير ، فجرى بينه وبين أصحاب الموفق لنا شيء ، فلم يعطوه جامكية - أي ما يخصه من راتب - قال : فبقينا ثلاثة أيام ليس لنا شيء ، فدخلت يوم الجمعة أصلي ،
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 86
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص٨٦