وقد حضر مجلس الحافظ : يا تقي الدين ، واللّه لقد جمّلت ، وأقسم واللّه ، لو أمكنني ما فارقت مجلسا من مجالسك .
قال الضياء : سألت خالي موفق الدين ، عن الحافظ ، فكتب بخطه وقرأته عليه : كان جامعا للعلم والعمل ، وكان رفيقي في الصبا ، وفي طلب العلم ، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل ، وكمّل اللّه فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة ، وعداوتهم إياه ، وقيامهم عليه ، ورزق العلم ، وتحصيل الكتب الكثيرة ، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها . رحمه اللّه تعالى .
قال الضياء : وسمعت الإمام الزاهد إبراهيم بن محمود بن جوهر البعلي يقول : سمعت العماد - يعني إبراهيم أخا الحافظ - يقول : ما رأيت أحدا أشد محافظة على وقته من الحافظ عبد الغني .
قال الضياء : كان شيخنا الحافظ رحمه اللّه ، لا يكاد يضيع شيئا من وقته بلا فائدة ، فإنه كان يصلي الفجر ، ويلقن الناس القرآن ، وربما قرأ شيئا من الحديث فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينا ، ثم يقوم يتوضأ ، فيصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر ، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر ، ويشتغل إما للتسميع بالحديث ، أو بالنسخ إلى المغرب ، فإن كان صائما أفطر بعد المغرب ، وإن كان مفطرا صلّى من المغرب إلى عشاء الآخرة ، فإذا صلّى العشاء الآخرة ، نام إلى نصف الليل أو بعده ، ثم قام كأن إنسانا يوقظه ، فيتوضأ ويصلي لحظة كذلك ، ثم توضأ وصلّى كذلك ، ثم توضأ وصلّى إلى قرب الفجر ، وربما توضأ في الليل سبع مرات ، أو ثمانية ، أو أكثر ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة ، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر . وهذا دأبه ، لا يكاد يصلي صلاتين مفروضتين بوضوء واحد .
قال : وسمعت الحافظ أبا عبد اللّه محمد بن محمد بن غانم بأصبهان يقول :
كان الحافظ عبد الغني عندنا ، وكان يقول لي : تعال حتى نحافظ على الوضوء لكل صلاة .
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 83
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص٨٣