تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل يزوره فصادفه يصلي ، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته ، ثم اجتمع به ولم يتجوز في صلاته . وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة ، يمضي إلى بيته بالرصيف ، ومعه من فقراء الحلقة من قدّره اللّه تعالى ، فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه . ومن أظرف ما حكي عنه : أنه كان يحمل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها ، فاتفق ليلة خطفت عمامته فقال لخاطفها : يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ، وردّ العمامة أغطي بها رأسي ، وأنت في أوسع الحل مما في الورقة ، فظن الخاطف أنها فضة ورآها ثقيلة ، فأخذها وردّ العمامة ، وكانت صغيرة عتيقة ، فرأى أخذ الورقة خيرا منها بدرجات ، فخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف . قال الضياء : رأيت الإمام أحمد بن حنبل في النوم ، وألقى عليّ مسألة في الفقه ، فقلت : هذه في « الخرقي » فقال : ما قصّر صاحبكم الموفق في « شرح الخرقي » . قال الضياء : وكان - رحمه اللّه - إماما في القرآن وتفسيره ، وإماما في علم الحديث ومشكلاته ، إماما في الفقه ، بل أوحد زمانه فيه ، إماما في علم الخلاف ، أوحد زمانه في الفرائض ، إماما في النحو ، إماما في الحساب ، إماما في النجوم السيارة والمنازل ، قال : ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المني : اسكن هنا ، فإن بغداد مفتقرة إليك وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك . وكان شيخنا العماد - إبراهيم بن عبد الواحد - يعظم الموفق تعظيما كبيرا ، ويدعو له ويقعد بين يديه كما يقعد المتعلم من العالم . وسمعت الإمام المفتي شيخنا أبا بكر محمد بن غنيمة ببغداد يقول : ما أعرف أحدا في زماني أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق .
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 215 | محمد المقدسي الحنبلي