ولا أوجع قلبه ، وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما كان يقول لها شيئا ، وكذلك غيرها من نسائه .
قال الضياء : وسمعت البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم يقول : لم أر فيمن خالطت أجمل منه ولا أكثر احتمالا ، وكان متواضعا ، يقعد إليه المساكين ، ويسمع كلامهم ، ويقضي حوائجهم ويعطيهم ، وكان حسن الأخلاق ، لا نكاد نراه إلا متبسما ، يحكي الحكايات لجلسائه ويخدمهم ، ويمزح ولا يقول إلا حقا .
قال الضياء : وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول : قد صحبناه في الغزاة ، فكان يمازحنا وينبسط معنا ، يقصد بذاك طيب قلوبنا ، فما رأيت أكرم منه ، ولا أحسن صحبة ، وكان عندنا صبيان يشتغلون عليه من حوران ، وكانوا يلعبون بعض الأوقات إذا خلوا ، فشكى بعض الجماعة إلى أبي عمر ، فقال : أخرجوهم من عندنا ، ثم قال : هؤلاء أصحاب الموفق فاذكروهم له ، فقالوا له : فقال :
وهل يصنعون إلا أنهم يلعبون ؟ هم صبيان لا بد لهم من اللعب إذا اجتمعوا ، وإنكم كنتم مثلهم ، وكان بعض الأوقات يرانا نلعب فلا ينكر علينا .
قال الضياء : ولقد شاورته في أشياء متعددة فيشير عليّ بشيء ، فأراه بعد كما قال . وكم قد جرى على أصحابنا من غمّ وضيق صدر من جهة السلاطين ، واختلافهم ، فإذا وصل الكلام إليه أشار بالرأي السديد الذي يراه ، فيكون في رأيه اليمن والبركة ، وكان أخوه الشيخ أبو عمر مع كونه الأكبر لا يكاد يعمل أمرا حتى يشاوره .
سمعت الإمام الزاهد أبا عبد اللّه محمد بن أبي الحسين اليونيني قال : كنت بعض الأوقات ألازم القراءة وبعضها أتركها ، فقال لي الموفق : يا فلان ، في صورة من يأتيك إبليس ؟ قلت : في صورة أويس القرني ، قال : ما يقول لك ؟
قلت : يقول لي : ما أحب أن أكون محدثا ولا مفتيا ولا قاصا ، في نفسي شغل
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 218
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص٢١٨