تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
سمعت عباس بن عبد الدائم الكتاني يقول : كنت يوما مع العماد في مقابر الشهداء فرجعنا وأنا خلفه ، فقلت في نفسي : اللهم إني أحبه فيك ، فاجعلني رفيقه في الجنة . قال : فالتفت إليّ وقال : إذا لم تكن المحبة للّه فما تنفع شيئا . أو كما قال . قال الضياء : ولعله ما قعد عنده أحد إلا حصل له منفعة في العلم والزهد ، أو اقتباس شيء من أخلاقه أو أوراده وغير ذلك ، وكان يذم نفسه ذما كثيرا ويحقرها ويقول : أيش يجيء مني ؟ أيش أنا ؟ وكان كثير التواضع . سمعت الشيخ موفق الدين قال : ما رأيت من اجتمع فيه من خلال - كانت في الشيخ العماد - كان أكثر ذما لنفسه منه ، ولقد حضرت عنده مرة ، وقد أخذته الريح ، وكان لا يقدر على الكلام فوقفت ، فلما قدر على الكلام شرع في ذم نفسه ، وقال : اللهم أصلح فساد قلبي ، وجعل ينوح على نفسه . أنا كذا ، أنا كذا حتى أبكاني . وسمعت الإمام أبا عبد اللّه يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي يقول : كنت أكتب طبقات السماع على الشيخ العماد ، فكنت أكتب : الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع ، فخاصمني على ذلك خصومة كثيرة . وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التنوخي يقول : كان الشيخ العماد جوهرة العصر ، وذلك أن واحدا يصاحب شخصا مدة ، ربما تغير عليه ، وكان الشيخ العماد من صاحبه لا يرى منه شيئا يكرهه قط ، كلما طالت صحبته ازداد بشره ، ورأى منه ما يسره ، وهذا شيء عظيم ، وليس يكون كرامة أعظم من هذا . وذكر الضياء أن بعض أصحابه كانت تكون له الحاجة إليه فيمضي إلى بيته ، فيقيم عنده اليوم واليومين ، قال : وما رأيته يشكي من ذلك شيئا ، قال : وما أظن أني دخلت عليه قط إلا عرض عليّ الطعام .
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 169 | محمد المقدسي الحنبلي