فقال الحجّاج : اكفف يا غلام . ثم أقبل على النّاس ، فقال : [ أ ] سلّم أمير المؤمنين فلم تردّوا عليه شيئا ؟ ! هذا أدب ابن نهية « 27 » ؛ أما واللّه لأؤدّبنّكم غير هذا الأدب ، أو لتستقيمنّ . اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين . فقرأ ، فلما بلغ إلى قوله :
« سلام عليكم » لم يبق في المسجد أحد إلّا قال : وعلى أمير المؤمنين السلام .
ثم نزل فوضع للنّاس أعطياتهم ، فجعلوا يأخذون ، حتى أتاه شيخ يرعد كبرا ، فقال : أيّها الأمير ، إنّي من الضّعف على ما ترى ، ولي ابن هو أقوى على الأسفار منّي ، أفتقبله منّي بديلا ؟ فقال له الحجّاج : نفعل أيّها الشيخ .
فلمّا ولّى قال له قائل « 28 » : أتدري من هذا أيّها الأمير ؟ قال : لا . قال :
هذا عمير بن ضابئ البرجميّ « 29 » ، الّذي يقول أبوه « 30 » : [ من الطويل ]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا ، فوطئ على بطنه ، فكسر ضلعين من أضلاعه . فقال : ردّوه ! فلمّا ردّ قال له الحجّاج : أيّها الشيخ ؛ هلّا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بديلا يوم الدّار ! إنّ قتلك أيّها الشيخ صلاح للمسلمين . يا حرسيّ اضربن عنقه . فجعل الرّجل يضيق عليه بعض أمره فيرتحل ، ويأمر وليّه أن يلحقه بزاده ، ففي ذلك يقول عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ « 31 » « 32 » : [ من الطويل ]
هامش
( 27 ) ابن نهية : رجل كان على الشرطة بالبصرة قبل الحجاج .
( 28 ) القائل هو عنبسة بن سعيد . الشعر والشعراء 1 / 352 .
( 29 ) عمير بن ضابئ البرجمي ، انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 223 .
( 30 ) البيت في جمهرة ابن حزم ص 223 والشعر والشعراء 1 / 351 ، وطبقات ابن سلام 1 / 174 ، وتاريخ دمشق ، حرف العين ج 3 ص 512 .
( 31 ) عبد اللّه بن الزّبير الأسدي ، أبو سعد ، شاعر معروف من أهل الكوفة ، توفي في الري في خلافة عبد الملك . ( تاريخ دمشق لابن عساكر ، حرف العين ج 3 ص 506 ) .
( 32 ) الأبيات في تاريخ دمشق ، الجزء السابق ، ص 508 و 512 ، وفيه تخريجها . وما بين حاصرتين من الأبيات موضع الرطوبة .