تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 861

مساهمون:

ص٨٦١
وذات مرة جاء تاجر غنيّ لزيارة رابعة ، فرأى بيتها وهو يتداعى ، فأعطاها ألف درهم من الذهب ، وأهداها بيتا جيدا . فذهبت رابعة إلى البيت ، ولم تكد تستقرّ فيه حتى استغرقت في تأمّل الصور التي فيه ؛ فقالت في الحال ، وهي تعيد إلى التاجر الألف درهم من الذهب : أخشى أن يتعلّق قلبي بهذا البيت ، فلا يعود في استطاعتي أن أشغل نفسي بعمل الآخرة ، إنّ كلّ رغبتي في أن أفرغ لعبادة اللّه تعالى . ويحكى : أن عبد الواحد بن زيد ، وسفيان الثوري ذهبا يوما لزيارة رابعة ، فلمّا أبصراها أخذهما الإجلال لها ، فأرتج عليهما ، وأخيرا قال سفيان : أي رابعة ، ادعي اللّه حتى يخفّف آلامك . فسألته : يا سفيان الثوري ، من بعث إليّ بهذه الآلام ؟ فأجاب : إنه اللّه تعالى . فقالت : إذا كانت مشيئة اللّه أن يمتحنني بهذه المحنة ، فكيف أتوجّه إليه متجاهلة إرادته ؟ وقال لها سفيان أيضا : أي رابعة ، ماذا يودّ قلبك ؟ فأجابت : يا سفيان ، وأنت الرجل العليم ، كيف تنطق بهذه العبارات ؟ إنّ اللّه تعالى يعلم أنّ قلبي يريد منذ اثنتي عشرة سنة بلحا ناضجا ، وهو ليس بنادر في البصرة ، ومع هذا فقد بقيت حتى اليوم لا آكل منه ، لست إلّا عبدة ، وليس لي أن أتصرّف وفق أهواء قلبي ، لأنّي إذا أردت ولم يرد هو لكان هذا منّي جحودا . فقال سفيان : لكن ، لست بقادر على أن أحدّثك في شؤونك ؛ لكن حدّثيني أنت عن شؤوني . فقالت رابعة : لولا ميلك إلى هذه الدنيا لكنت رجلا لا غبار عليك . قال سفيان : فصرخت باكيا : إلهي ، ليتك ترضى عنّي . فقالت رابعة : ألا تخجل من أن تقول للّه : ليتك ترضى عني دون أن تفعل شيئا لرضاه ؟ ويروى : أنّ مالك بن دينار قال : ذهبت إلى رابعة ، فوجدتها تشرب من جرّة مكسورة ، وقد فرشت على الأرض حصيرة عتيقة ، ومخدّتها من اللبن . فقلت وقلبي يغلي : يا رابعة ، لي أصدقاء أغنياء ؛ فإن سمحت لي سألتهم أن يعطوني شيئا من أجلك . فأجابت : لقد أسأت القول يا مالك ؛ إنّ اللّه تعالى هو الذي